حرب على هيأة التدريس ؟!

سعيد زريوح
هاجر أستاذة في مقتبل العمر قتلها بطريقة بشعة تلميذها. لم يشفع لها تفانيها في العمل ولا سمعتها الطيبة ولا رسالتها في مواصلة حياتها بشكل طبيعي.
حادث مؤسف ومؤلم ولكن خطورته تتجلى في كونه ليس معزولا وأصبح مؤلوفا. أصبحت هيأة التدريس تتعرض للعنف الرمزي والمادي بشكل دائم من طرف من يسكن معها نفس الوقت والقسم.
لماذا؟ سؤال صعب ومركب، غير أن عدم الخوض فيه هو بمثابة التطبيع مع هذا الواقع المعيب. وأعتقد أن من مداخل الإجابة هو الجواب على سؤال آخر : لماذا انتقلنا من وضع كانت فيه للمعلم قيمة وهبة واحترام إلى وضع آخر فقد فيه هذا المعلم كل ما حضي به في السابق؟
أن تصبح معلما وأستاذا لم يعد حلما لمن يرتادون القسم !!! لم تعد المدرسة هي مصعد الشباب إلى النجاح في الحياة. النماذج التي تقدم كأمثلة للنجاح في مجتمعاتنا تغيرت كثيرا. سلاح الثقافة والعلم والتحصيل لم يعد ضروريا حتى تترقى ماديا وتنال احترام الناس.
في مجتمعنا، لاعب الكرة ومغني الراب ومنتج التفاهة على الويب وصاحبة مؤخرة ممتلئة….هم عنوان الغنى والشهرة. أما الطبيب والمهندس والطيار والأستاذ لم يعودوا لا قدوة ولا مصدرا للألهام. إذا كيف للتلميذ أن يقتنع بأهمية العلم وضرورة احترام معلمه وهو لا يرى في هذا الأخير نموذجا يحتدى به؟ نحن في زمن أصبح المعلم يثير الشفقة في أحسن الأحوال.
طبعا هذا التحول لم يحصل بالصدفة. وليس عليك أن تكون مؤرخا حتى تستنتج أن مسلسل تحويل التعليم من مؤسسة عمومية مركزية وحاسمة في مسار تقدم الدولة والمجتمع إلى مقاولات ربحية لم يبدأ منذ اليوم وأن اعتبار المعلم رقما وكلفة وحتى خطرا أدى تدريجيا إلى تدهور مريع في منزلته الاجتماعية.
إذا كيف تريد للتلميذ أن يعلي من شأن معلمه؟ وكيف لهذا التلميذ الذي تحصاره بالإضافة لكل ما سبق كل أصناف المخدرات وصور العنف والتتفيه….أن لا يتجرأ على ارتكاب جرائم في حق أساتذته ؟؟؟
حين تتحول المدرسة والفاعلون فيها إلى مجرد أرقام وبيانات وينظر إلى التلميذ كخطر داهم يجب استلابه وتخديره، فلا يجب عليك أن تتفاجأ في اندثار القيم القديمة وتحول المجتمع إلى ساحة للحرب تقترف فيها جرائم سوريالية.
نحن لن نصنع العجلة، هناك مجتمعات كثيرة جعلت من المدرسة والعلم رهانها، ولذلك كرمت وحمت أساتذتها فتقدمت وربحت رهان التنمية والسلم الأهلي. الحقيقة ساطعة: ما نحصده الآن هو نتيجة لما زرعناه من قبل.



