سياسةغير مصنف

حين يترحم ملك إسبانيا على موتى سبتة

من سؤال العقيدة إلى سؤال السيادة

الأنوار 24/ عبد العزيز بن صالح

حين قُتلت الصحافية الفلسطينية شرين ابو عاقلة انشغلت مواقع التواصل الاجتماعي بسؤال بدا لبعضهم حاسما: هل يجوز الترحم على مسيحية؟ لا يعنينا هنا الخوض في هذا النقاش الفقهي ولا الانحياز إلى هذا الرأي أو ذاك بقدر ما يعنينا ما يكشفه من طريقة في ترتيب أسئلتنا، ومن ميل إلى استنفاد الجهد في الجدل حول مشروعية كلمة، بينما تمر أمامنا وقائع أكثر تعقيدا تستدعي قراءة تتجاوز ظاهرها إلى دلالاتها السياسية.

في المقابل، يعتزم ملك إسبانيا فيليبي السادس، اليوم، زيارة مقبرة سيدي امبارك في سبتة حيث دُفن عدد من ضحايا الأحداث الدامية التي شهدتها المدينة يومي 30 و31 يوليوز، حين حاول آلاف المهاجرين الدخول إليها بصورة جماعية، وانتهت المحاولة بسقوط عشرات القتلى معظمهم من ضحايا الغرق أو التدافع، وفق ما أوردته الصحافة الإسبانية. والزيارة بحسب البرنامج الملكي الرسمي، تأتي في إطار مراسم لتذكّر الضحايا، بمشاركة ممثلين عن الديانات الأربع الموجودة في المدينة.

هنا تفرض المقارنة نفسها، لا من باب المطابقة بين الواقعتين، بل من باب التضاد الذي يكشف اختلاف زوايا النظر. ففي الحالة الأولى يتحول الترحم على امرأة إلى موضوع سجال حول الدين والعقيدة. وفي الحالة الثانية يقف ملك مسيحي أمام قبور موتى مسلمين، في مقبرة إسلامية، في فعل رسمي يستحضر الموتى ويستدعي في الوقت نفسه أسئلة الحدود والسيادة والذاكرة السياسية.

فهل يجوز لمسيحي أن يترحم على مسلم؟ قد يبدو السؤال في ظاهره امتدادا للسؤال الأول. لكنه ليس السؤال الذي ينبغي أن نتوقف عنده. فالملك هنا لا يتحرك بوصفه فردا يعبّر عن مشاعر شخصية فحسب، بل بوصفه رأس دولة، وفي سياق سياسي شديد الحساسية يتعلق بسبتة وموقعها في العلاقة بين المغرب وإسبانيا.

إن سبتة ليست مجرد مكان جغرافي استقبل مهاجرين وانتهت فيه مأساة إنسانية. إنها أيضا فضاء تتقاطع فيه قضيتان مختلفتان: مأساة أشخاص فقدوا حياتهم وهم يحاولون بلوغ الضفة الأخرى، ونزاع سياسي حول السيادة والحدود لا يمكن فصله عن التاريخ. وبين الأمرين تتشكل الدلالة المركبة للزيارة.

من حق هؤلاء الموتى أن يُذكروا بوصفهم بشرا، لا أن تختزل حيواتهم الأخيرة في توصيف سياسي أو أمني. ومن حق أسرهم أن تجد من يستحضر مأساتهم، وأن يُدفنوا بكرامة. لكن من حقنا أيضا أن نسأل عن المعنى السياسي الذي يكتسبه الفعل حين يصدر عن ملك دولة تعتبر سبتة جزءا من ترابها الوطني، في وقت يظل فيه وضع المدينة موضع خلاف في الرؤية المغربية والإسبانية.

لا يعني هذا أن زيارة المقبرة تثبت بذاتها نية سياسية خفية، أو أن تكريم الموتى ليس سوى أداة لتكريس السيادة الإسبانية. فالبرنامج الرسمي يقدّم الزيارة باعتبارها مشاركة في تذكّر ضحايا البحر، ولا يجوز أن ننسب إلى الملك نيات لم يعلنها. غير أن الفعل السياسي لا يُقرأ دائما من خلال النيات المعلنة وحدها؛ بل كذلك من خلال السياق والمكان والصفة التي يصدر عنها.

وهنا تكمن أهمية الصورة: ملك إسبانيا يزور مقبرة إسلامية في مدينة تتنازع حولها روايتان وطنيتان، ويشارك في مراسم تذكّر ضحايا ينتمون إلى العالم الذي قدموا منه بينما تتعامل الدولة الإسبانية مع الحدث نفسه أيضا من زاوية حماية الحدود ووحدة أراضيها. وفي الخطاب الرسمي الإسباني الذي أعقب أحداث يوليوز، وُصفت الواقعة بأنها مساس بالسلامة الترابية للبلاد. وهكذا تجاور الرواية الإنسانية للرثاء رواية الدولة عن الحدود والسيادة.

ليس في هذا التجاور تناقض ضروري؛ فالدولة تستطيع أن تحزن على الموتى وأن تدافع عن حدودها في الوقت نفسه. لكن المهم هو ألا نخلط بين المستويين، وألا نسمح للمشهد الإنساني بأن يحجب الأسئلة السياسية، أو للقراءة السياسية بأن تسلب الضحايا إنسانيتهم.

إن المقارنة التي انطلقت منها لا تتعلق بمن يملك حق الترحم على من، ولا بمن يحتكر الرحمة على أساس الدين. إنها تتعلق بمفارقة أعمق: كيف ننشغل نحن بمشروعية الترحم على مسيحية، بينما يستطيع ملك مسيحي أن يشارك في تكريم موتى مسلمين، في مشهد يجمع بين الاعتبار الإنساني والرمزية الرسمية؟ وهل تكفي قراءة دينية للمشهد لفهمه أم أن الأمر يحتاج إلى وعي بكيفية اشتغال الدولة والذاكرة والشرعية؟

قد يكون الترحم في أصله تعبيرا عن الحزن على الموت، وقد يكون تكريم الموتى فعلا إنسانيا يتجاوز اختلاف العقائد. لكن حين يصدر الفعل عن رأس الدولة، وفي مكان يحمل دلالات سيادية وتاريخية، فإنه يدخل بالضرورة في مجال التأويل السياسي، من دون أن يعني ذلك أن كل تأويل هو حقيقة ثابتة أو أن كل رمز يحمل رسالة واحدة.

ولعل الدرس الأهم أن السياسة لا تتحدث دائما بالخطب والبيانات؛ أحيانا تتحدث بالمراسم، وباختيار المكان، وبمن يحضر، وبالرواية التي تحيط بالفعل. لذلك فإن الاكتفاء بالسؤال عما إذا كان يجوز لمسيحي أن يترحم على مسلم يعيدنا إلى الدائرة نفسها التي بدأ منها النقاش، ويصرفنا عن السؤال الأجدر بالطرح: كيف تتعايش الرحمة الإنسانية مع سردية الدولة عن حدودها وسيادتها؟ وكيف نقرأ المشهد من دون أن نختزله في الدين، أو نحوله إلى اتهام غير مثبت؟

المفارقة ليست أن ملكا مسيحيا يترحم على موتى مسلمين؛ المفارقة أن ننشغل بدين من يترحم، ونغفل عن السياسة التي تحيط بمشهد الترحم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى