سياسة

صدى الخطاب الملكي وحدود الغياب

من استمرارية الإصلاح إلى اقتدار المؤسسات

الأنوار 24/ مصطفى المنوزي

يحمل الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الجديدة، توجهات استراتيجية مهمة ونوعية، تعكس طموحًا إلى إحداث منعطف تنموي ومؤسساتي، من خلال تعزيز الأمن الاقتصادي والاجتماعي، وتأهيل الاستثمار، وتسريع الجهوية المتقدمة، وتجاوز أعطاب الحكامة الترابية ؛ غير أن تثمين هذه التوجهات يفتح مجالًا للتفكير في شروط استكمالها، وفي مقدمتها الإصلاح التشريعي والقضائي، باعتباره رافعة أساسية للأمن القانوني والمؤسساتي، وضمانة لنجاعة السياسات العمومية وحماية الحقوق والحريات؛ بغض النظر عن الرسائل الموجهة إلى البيت الداخلي وإلى كافة الخوارج المتعددة هناك وهنالك . 

ومن هنا يبرز تساؤل مشروع حول دلالة عدم تناول ورش إصلاح منظومة العدالة، ونحن أمام ولاية تشريعية جديدة، وفي أفق تجديد هياكل المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وبعد مرحلة كشفت فيها بعض الإصلاحات التشريعية، وخاصة المرتبطة بمهنة المحاماة والمساطر القضائية، عن توترات واختلالات تستدعي التقييم والاستدراك ؛ وهنا لا يتعلق الأمر بمؤاخذة الخطاب الملكي على عدم استيعاب جميع الأوراش، أو اعتبار عدم ذكر موضوع معين دليلًا على استبعاده من الأولويات الاستراتيجية للدولة ؛ لأن الخطاب الملكي، بحكم موقعه الدستوري، يؤطر التوجهات الكبرى، دون أن يعفي المؤسسات المختصة من ممارسة لصلاحياتها وكذا تحمل مسؤولياتها ؛ غير أن صدى الخطاب لا ينبغي أن يختزل في تلقي التوجيهات وتثمينها، بل يتعين أن يمتد إلى استيعاب جميع مقاصدها واستكمال شروط تفعيلها ؛ فلا تحول اقتصاديًا دون أمن قانوني وقضائي، ولا مسؤولية برلمانية فعلية دون اقتدار أوتمكن تشريعي، ولا استقلالًا قضائيًا مكتمل الأثر دون حكامة تجمع بين الاستقلال والمساءلة وجودة العدالة ؛ ومن هذا المنظور، تبرز الحاجة إلى مراجعة بعض آليات العقلنة البرلمانية، وتأهيل المبادرة التشريعية، والانتقال من غلبة وظيفة المصادقة والتسجيل ، إلى ممارسة تشريعية أكثر استقلالًا وأكثر اقتدارًا. كما يتيح تجديد هياكل المجلس الأعلى للسلطة القضائية فرصة لتقييم حصيلة الإصلاح، وتعزيز التكامل الوظيفي بين القضاء والمحاماة، وفق مبدأ الاقتدار المتبادل والاستقلال الاقتراني، مع استحضار راهنية مطلب إحداث مجلس للدولة لتطوير القضاء الإداري وحماية المشروعية وتحسين جودة التشريع ؛ لأن المقاربة النسقية تقتضي النظر إلى هذه الأوراش باعتبارها مكونات مترابطة في هندسة الإصلاح، لا ملفات قطاعية منفصلة ؛ فنجاح التحول التنموي رهين كذلك بجودة التشريع، واستقلال القضاء، وفعالية المؤسسات، وقدرتها على التعاون دون المساس بتمايز اختصاصاتها.

وهنا ينبغي التمييز بين الصمت الخطابي، الذي يمكن إثباته من النص، والفراغ الاستراتيجي، الذي يحتاج إلى قرائن، والانتظار المؤسساتي، الذي يتعين تجاوزه. فحدود الغياب لا تكمن بالضرورة فيما لم يتناوله الخطاب الملكي، وإنما فيما قد تعجز المؤسسات عن المبادرة إليه رغم اندراجه ضمن الشروط الموضوعية لتحقيق المنعطف المعلن.

ولذلك، فإن السؤال الأجدر بالطرح ليس لماذا لم يتناول الخطاب الملكي الإصلاح التشريعي والقضائي، بل إلى أي حد بلغت مؤسساتنا من النضج والاستقلال والاقتدار ما يؤهلها إلى استكمال الإصلاح بمبادرتها تلقائيا ، تفعيلا للبرامج والسياسات الموعودة والملتزم بها ، دون انتظار توجيه ملكي تفصيلي في كل مرة؟

ذلك هو الاختبار الحقيقي لصدى الخطاب الملكي وحدود الغياب الذي يتجسد في الانتقال من تلقي التوجيه إلى اقتدار المبادرة، ومن استمرارية الإصلاح إلى استكماله، ومن شرعية الإنجاز إلى شرعية التعليل والمساءلة. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى