فن و ثقافة

المحامون يجتازون امتحانين لا امتحانًا واحدًا

اعرف نفسك" و"اعتن بنفسك"

الأنوار 24/ مصطفى المنوزي

ليست المحاماة مجرد مهنة تُكتسب بالتكوين القانوني، ولا مجرد تقنية في الترافع أو إتقان للنصوص، وإنما هي قبل ذلك وبعده تربية على الذات، واختبار دائم للضمير. ولذلك فإن المحامي لا يجتاز امتحانًا واحدًا، بل امتحانين متلازمين: امتحان “اعرف نفسك”، وامتحان “اعتن بنفسك”.

فامتحان “اعرف نفسك” هو امتحان الهوية المهنية والأخلاقية. إنه دعوة إلى أن يسأل المحامي نفسه باستمرار: من أنا داخل منظومة العدالة؟ هل أنا مجرد مقدم خدمة قانونية، أم حامل رسالة دستورية في الدفاع عن الحقوق والحريات؟ أين تنتهي المصلحة الخاصة وتبدأ المصلحة العامة؟ وما الحدود التي لا يجوز تجاوزها، مهما كانت الإغراءات أو الضغوط؟ إن هذا الامتحان يمنح المحامي بصيرة تمكنه من التمييز بين القانون بوصفه نصًا، والعدالة بوصفها قيمة، وبين الانتصار في الدعوى والانتصار للحق.

أما امتحان “اعتن بنفسك” فلا يتعلق بالراحة الشخصية أو النجاح المهني فحسب، بل هو مشروع دائم لبناء الذات وصيانتها. والعناية بالنفس هنا تعني المحافظة على الاستقلال، وتجديد المعرفة، والارتقاء بالكفاءة، وتهذيب السلوك، ومقاومة كل ما يهدد نزاهة المهنة، سواء كان إغراءً أو خوفًا أو تبعية. فالمحامي الذي يهمل نفسه معرفيًا وأخلاقيًا يصبح أكثر قابلية لأن يفقد حريته الداخلية، حتى وإن ظل يمارس المهنة ظاهريًا.

ومن ثم، فإن العلاقة بين الامتحانين ليست علاقة تعاقب، بل علاقة تكامل. فمعرفة النفس تكشف الرسالة، والعناية بالنفس تحميها. الأولى تمنح البصيرة، والثانية تمنح القدرة على الثبات. الأولى تجيب عن سؤال: لماذا أمارس المحاماة؟ والثانية تجيب عن سؤال: كيف أظل وفيًا لرسالتها؟

وفي هذا المعنى، تتحول المحاماة إلى ممارسة أخلاقية قبل أن تكون ممارسة قانونية. فالمحامي لا يُقاس فقط بما يكسبه من قضايا، وإنما بما يحافظ عليه من استقلال وكرامة، وما يتركه من أثر في ترسيخ سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان.

لهذا، فإن أخطر ما قد يصيب المحاماة ليس ضعف المعرفة القانونية وحده، وإنما انفصال الامتحانين عن بعضهما؛ إذ قد يعرف المحامي ذاته لكنه لا يحسن رعايتها، فينهكه الواقع حتى يفقد رسالته، وقد يعتني بمساره المهني ومكانته الاجتماعية دون أن يعرف حقيقة دوره، فيتحول من صاحب رسالة إلى مجرد فاعل في سوق الخدمات القانونية.

إن المحاماة، في جوهرها، هي مدرسة للحرية المسؤولة. ولا ينجح فيها إلا من ظل يجتاز، كل يوم، امتحاني “اعرف نفسك” و**”اعتن بنفسك”** معًا. فالأول يؤسس الضمير المهني، والثاني يصونه من التآكل. وإذا كانت معرفة النفس هي بداية الطريق، فإن العناية بالنفس هي شرط الاستمرار فيه، أما الغاية فهي أن يبقى المحامي، في جميع الأحوال، جديرًا بالثقة التي أولاها له المجتمع، وأمينًا على رسالة الدفاع عن الإنسان والعدالة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى