المحاماة في زمن تثبيت الهوية وتأهيل البيئة الحقوقية
من تدبير الاحتجاج إلى إدارة القوة

الأنوار 24/ مصطفى المنوزي
“””النقد الذي لا يفتح ممكنًا قد ينتهي إلى العدم؛ أما النقد الذي يصنع البديل، فإنه يحوّل القلق إلى اقتراح، والرفض إلى اتجاه، والزمن إلى فرصة.”””
ابو نسيم من مقالة ( حتى لا يسقط الوعي في العدم ! )
لم يعد السؤال الذي تواجهه المحاماة اليوم محصورًا في الاختيار بين الاستمرار في التوقف أو العودة إلى العمل. فهذا، في نهاية المطاف، سؤال يتعلق بالأداة، بينما السؤال الأهم يتعلق بما راكمته المهنة خلال هذه المرحلة من قوة ووحدة وتعبئة: كيف نحافظ على هذا الرأسمال النضالي، ونحميه من العياء والاستنزاف، ونحوله إلى قدرة استراتيجية مستدامة؟
لقد انشغلنا، في مرحلة أولى، بسؤال: من نخاطب؟ فخاطبنا الحكومة والوزارة والبرلمان والمؤسسات والرأي العام ، ثم انتقلنا إلى سؤال: من خصمنا؟ غير أن اختزال الخصومة في شخص أو مؤسسة بعينها لا يساعد على فهم تعقيد موازين القوة ولا على بناء استراتيجية طويلة النفس؛ فالمحاماة ليست في مواجهة مع الدولة من حيث هي دولة، وإنما تدافع، من داخل البناء الدستوري للعدالة، عن استقلال الدفاع ومكانته وعن الأمن القضائي ، وعن التوازنات التي تقوم عليها دولة القانون ؛ لكن النقد لا يستقيم إذا ظل متجهًا إلى الخارج وحده. فإذا كنا نطالب الدولة ومؤسساتها بمراجعة أدواتها ومقارباتها، فإن علينا أن نمتلك الشجاعة نفسها في النظر إلى داخل المهنة. فلا إصلاح مع المحافظة، ولا تحديث مع مقاومة التغيير، هنا وهناك، عموديًا وعرضانيًا.
ولهذا لم يعد السؤال فقط: ماذا فعل الآخرون بالمحاماة؟ بل أيضًا: ماذا ينبغي أن تفعل المحاماة بنفسها؟
فنحن لم نعد في مرحلة إثبات الذات أو إثبات الشخصية الاعتبارية للمهنة. لقد راكمت المحاماة من التاريخ والشرعية والوظيفة داخل العدالة ما يجعل وجودها ومكانتها أبعد من أن يحتاجا في كل مرة إلى إعادة البرهنة عليهما. نحن أمام مرحلة أخرى: مرحلة تثبيت الهوية والترصيد. وإن تثبيت الهوية لا يعني تجميدها، كما أن الترصيد لا يعني الاكتفاء بحراسة المكتسب ، لأن المطلوب حماية ما لا يجوز التفريط فيه من استقلال وحرية دفاع وكرامة ورسالة حقوقية، وفي الوقت نفسه مراجعة ما تقادم من الخطابات والأساليب والبنيات، وتجديد أدوات التكوين والتواصل والحكامة وصناعة الأطر ، والمحامي (ة) المواطن (ة) .
فالهوية التي لا تتجدد قد تتحول إلى محافظة، والتحديث الذي لا تحكمه الهوية قد يتحول إلى ضبط وإعادة تشكيل من الخارج. والتحدي هو أن نعرف ما يجب أن يبقى وما يجب أن يتغير.
وهنا نصل إلى سؤال النفَس: كيف ندير قوتنا وزمننا وطاقتنا؟ وكيف نحافظ على الصمود من دون أن يتحول إلى استنزاف؟
حين ينتج غياب الاستراتيجية العياء السياسي :
لا يمكن الرهان طويلًا على مجرد حالة نضالية، مهما بلغت قوتها ومشروعيتها. فالتعبئة تنتج الزخم، لكنها إذا لم تتحول إلى معرفة وتنظيم ومؤسسات وبدائل، قد تبدأ تدريجيًا في استهلاك نفسها،
وهنا يكمن خطر العياء السياسي.
فعندما تغيب الاستراتيجية، يجري أحيانًا تعويض غياب الاتجاه وتضخم التردد ، بمضاعفة المجهود دون تشخيص موضوعي ولا تقييم حيادي ؛ فيتحول الاستمرار إلى غاية، ويصبح مقدار ما نتحمله من كلفة معيارًا للصمود، بدل مقدار ما ننتجه من أثر ؛ لأن العياء السياسي ليس مجرد تعب جسدي أو نفسي، وإنما يبدأ حين تستهلك الوسيلةُ الهدفَ؛ عندما يصبح الحفاظ على شكل معين من الاحتجاج أهم من تقييم وظيفته، أو يصبح تغيير الأداة مرادفًا، في المخيال الجماعي، للتراجع عن المبدأ.
والحال أن الصمود الاستراتيجي يعني معرفة متى نضغط، ومتى نفاوض، ومتى نستمر، ومتى نغير الأداة، ومتى ندخر القوة، فغياب الاستراتيجية يولد العياء، والعياء إذا طال قد يغذي العدمية، والعدمية قادرة على تبديد الرأسمال الذي صنعه النضال نفسه.
من الزخم إلى الرصيد :
ينبغي هنا التمييز بين الزخم النضالي والرأسمال النضالي ؛ فالزخم هو حرارة اللحظة، وقوة التعبئة، والاستعداد الجماعي للفعل ، أما الرأسمال فهو ما يبقى بعد انخفاض هذه الحرارة: الوحدة، والثقة، والخبرة، والوعي، والمعرفة، والكفاءات، والقدرة التنظيمية، والمصداقية المهنية والمجتمعية ، وطبعا الوقع السياسي .
وهنا الاستراتيجية لا تقاس بقدرتها على إبقاء الجميع في أقصى درجات الاستنفار، وإنما بقدرتها على تحويل الزخم إلى رأسمال، والرأسمال إلى قوة قابلة للاستمرار.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى اقتصاد المجهود وادخار الطاقة ، ولا يعني اقتصاد المجهود الاقتصاد في المبادئ أو خفض سقف المطالب، وإنما حسن توزيع القوة عبر الزمن ؛ فالمعركة الطويلة لا تحتاج فقط إلى الشجاعة في بذل الطاقة؛ بل تحتاج كذلك إلى الحكمة في عدم تبديدها ، وقد يكون الحفاظ على جزء من القوة أكثر نفعًا من استهلاكها كلها لإثبات استمرار التعبئة. فالطاقة المدخرة ليست طاقة ضائعة؛ إنها قوة محفوظة للجولة التي تصبح فيها أكثر تأثيرًا.
تغيير شكل النضال لا يعني إنهاءه :
من هذه الزاوية، لا ينبغي أن تتحول ثنائية التوقف أو العودة إلى العمل إلى اختبار للوفاء أو النضالية أو معيار للتخوين والتكفير ؛
فالعودة، متى تقررت، لا تعني بالضرورة نهاية النضال، كما أن استمرار التوقف لا يضمن في ذاته استمرار القوة. فقد تتغير الأداة ويبقى الهدف، وقد تستمر الأداة بينما تتراجع قدرتها على إنتاج الأثر ؛ وهنا يمكن الانتقال من وحدة الأداة إلى تنويع أدوات الفعل المهني. فيمكن التفكير، مثلًا، في توقفات رمزية وقتية، يومية أو دورية، محددة ومعلنة، تحفظ ذاكرة الاحتجاج وتؤكد استمرار الموقف دون استنزاف القدرة المهنية. ويمكن أن يصاحبها نقاش وتقييم دوري، حتى يتحول زمن التوقف من مجرد امتناع عن العمل إلى زمن لإنتاج الموقف والمعرفة.
وبذلك لا نختار بين العمل والنضال، بل نبحث عن كيفية إدماج النضال في الزمن العادي للمهنة بصورة قابلة للاستمرار.
المعرفة نفسها قوة نضالية :
ينبغي، بالتوازي، تحويل جزء من الطاقة المتراكمة إلى ورشات تكوينية حول القوانين والمساطر المستجدة ، فالقانون الذي أصبح نافذًا يحتاج إلى قراءة دقيقة، ومتابعة تطبيقه، ورصد الصعوبات التي يثيرها، وتوثيق تناقضاته وآثاره، وإنتاج الاجتهاد والبدائل بشأنه. وهنا تنتقل المهنة من مجرد الاعتراض على النص إلى إنتاج المعرفة اللازمة لاستدراكه وتعديله ومنازعته ، فالتكوين ليس نشاطًا جانبيًا بعد انتهاء الاحتجاج؛ يمكن أن يصبح أحد أشكاله الجديدة. والملف القانوني المحكم، والدراسة الجادة، والمقترح التشريعي، والترافع المؤسساتي، كلها أدوات قوة لا تقل أهمية عن أدوات التعبئة التقليدية.
تجديد المؤسسات وصناعة الأطر :
ولا ينبغي أن تجعلنا المعركة نغفل الاستحقاقات المهنية المقبلة.
فالتفكير الإعدادي للانتخابات المهنية ليس خروجًا من المعركة، ولا ينبغي أن يتحول إلى تنافس انتخابي سابق لأوانه؛ بل هو جزء من حماية استمرارية المؤسسات ودرء أي فراغ محتمل، وفرصة للتفكير في نوع القيادة التي تحتاجها المرحلة المقبلة ؛ وهنا تكتسب صناعة الأطر أهمية مركزية ، سنحتاج إلى دماء جديدة، ولكن التجديد لا يعني حرب أجيال ، فالمطلوب الجمع بين ذاكرة التجربة وطاقة التجديد، وبين خبرة من راكموا المعرفة المهنية وقدرات جيل جديد في التشريع والدستور والتفاوض والتواصل والإعلام والبحث والرقمنة والحكامة ؛ فلا يكفي أن نطالب بتغيير السياسة تجاه المحاماة؛ ينبغي أن نمتلك نحن أيضًا الأطر القادرة على صناعة سياسة مهنية جديدة.
الحوار البيني وحماية الاختلاف :
ويقتضي ذلك فتح قنوات الحوار البيني داخل الجسم المهني: بين الهيئات، وبين النقباء والقواعد، وبين الأجيال، وبين الاتجاهات المختلفة ؛ فالاختلاف حول الوسائل أمر طبيعي، ولا ينبغي أن يتحول إلى تخوين أو تنمر أو توزيع لشهادات النضالية.
فيمكن لمحام أن يرى ضرورة تغيير شكل التوقف دون أن يكون متخاذلًا، ويمكن لآخر أن يتمسك باستمرار الضغط دون أن يكون عدميًا ، لأن الاستراتيجية لا تولد من إلغاء الاختلاف، وإنما من القدرة على إدارته داخل أفق مشترك.
وهنا ينبغي كذلك مقاومة خطابين متقابلين: خطاب انهزامي يحول الصعوبة إلى استسلام، وخطاب انتصاري ينكر موازين القوة والنتائج الفعلية. فالخطاب العقلاني يعترف بالواقع دون أن يستسلم له، ويعترف بما لم يتحقق دون أن يهدر ما تحقق، ويبحث دائمًا عن الإمكان الموجود داخل الصعوبة. والسياسة المهنية العقلانية لا تجعل تحقيق الحد الأقصى شرطًا لقبول أي تقدم، ولا تجعل المكسب الجزئي نهاية للطموح ؛ فيمكن انتزاع المتاح اليوم، وحمايته والتأسيس عليه، مع مواصلة العمل من أجل ما لم يتحقق؛ فما لا يُدرك كله لا يُترك جله.
من وحدة الرفض إلى وحدة المشروع :
لقد استطاعت مرحلة المواجهة أن تنتج قدرًا مهمًا من وحدة الرفض. لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى ما هو أصعب: وحدة المشروع ، فالرفض يجمعنا حول ما لا نريده؛ أما المشروع فيلزمنا بتحديد ما نريده وكيف نصل إليه. وهكذا يمكن تصور هندسة جديدة للفعل المهني: عمل يحفظ استمرارية المهنة، وتوقف رمزي يحفظ ذاكرة الاحتجاج، ونقاش دوري يقيم المسار، وتكوين ينتج المعرفة، ورصد يوثق آثار التشريع، وترافع يصوغ البدائل، وحوار يحمي الوحدة، واستعداد للاستحقاقات يجدد المؤسسات ويمنع الفراغ. وهنا تتقاطع العناية بالنفَس مع تثبيت الهوية والترصيد.
فنحن لا نراجع أنفسنا لأننا فقدنا هويتنا، بل لأننا نريد حمايتها من الجمود ، ولا نجدد أدواتنا لأننا تخلينا عن تاريخنا، بل لأننا نريد تحويل هذا التاريخ إلى قدرة على الفعل في زمن جديد.
لقد بدأنا بسؤال: من نخاطب؟ ثم سألنا: من خصمنا؟ واليوم ينبغي أن نضيف سؤالًا ثالثًا: ماذا ينبغي أن نغير في أنفسنا حتى نحافظ على ما لا يجوز أن يتغير في هويتنا؟
هنا تأخذ فكرة الثورة الهادئة معناها الحقيقي: ليست ثورة على المهنة ولا على مؤسساتها، وإنما ثورة على أسباب ضعفها وتقادم بعض أدواتها؛ ثورة في التكوين، وصناعة الأطر، والتواصل، والحكامة، وإنتاج المعرفة والبدائل. فالصمود ليس أن نبقى في المكان نفسه مهما تغيرت الظروف، وإنما أن يبقى الهدف ثابتًا بينما تظل الوسائل قادرة على الحركة.
والمطلوب، في النهاية، ليس إدامة الحالة النضالية، بل تحويلها إلى قدرة استراتيجية؛ ليس استهلاك القوة لإثبات وجودها، بل إدارتها واقتصادها وادخارها وإعادة توزيعها على جبهات متعددة.
فنحن تجاوزنا، إلى حد بعيد، زمن إثبات الذات، ودخلنا زمن تثبيت الهوية وترصيد القوة واستشراف المعنى ؛ وتلك ربما هي المهمة الأصعب للمرحلة المقبلة: أن ننتقل من إدارة الاحتجاج إلى إدارة القوة، ومن مقاومة ما يراد للمحاماة أن تكونه إلى امتلاك القدرة على تحديد ما تريد هي أن تصبح عليه ، وهذا يتطلب تأهيل الكفاءات وافراز قاطرة مهنية تجيد التدبير معرفيا وتجود القيادة ديموقراطيا .


