سياسةفن و ثقافة

هل يفقد إضراب المحامين مشروعيته الأخلاقية بعد إحالة القانون على المحكمة الدستورية؟

الأنوار 24/ مصطفى المنوزي

يقوم هذا الرأي على فرضية مفادها أن إحالة مشروع قانون المحاماة على المحكمة الدستورية، طبقا للفصل 132 من الدستور، تنهي تلقائيا حالة التوتر بين هيئة الدفاع والسلطتين التنفيذية والتشريعية، وتجعل استمرار الإضراب فاقدا لمشروعيته الأخلاقية. غير أن هذه الفرضية تستحق المراجعة.

أولا، الإحالة على المحكمة الدستورية لا تنقل النزاع من المجال السياسي إلى المجال الدستوري بصورة تلغي باقي أبعاده. فالمحكمة الدستورية تمارس رقابة محددة على مدى مطابقة القانون للدستور، ولا تنظر في جودة السياسة التشريعية، ولا في مستوى التشاور، ولا في مدى احترام الأعراف المهنية، ولا في ملاءمة الاختيارات التشريعية، إلا بالقدر الذي يتصل بالمقتضيات الدستورية.

ثانيا، القول بانتهاء الخصومة مع الحكومة والبرلمان بمجرد الإحالة يتجاهل أن أسباب الاحتجاج قد تكون أوسع من مجرد عدم الدستورية، إذ قد تشمل غياب المقاربة التشاركية، أو المساس بالمكتسبات المهنية، أو الاعتراض على فلسفة التشريع نفسها. وهذه مسائل لا تحسمها المحكمة الدستورية بالضرورة.

ثالثا، لا ينبغي الخلط بين احترام المحكمة الدستورية وبين التخلي عن وسائل التعبير المشروعة. فاحترام مؤسسة دستورية يعني الامتثال لقراراتها وعدم التأثير عليها بوسائل غير مشروعة، لكنه لا يعني بالضرورة تجميد كل أشكال الاحتجاج المهني، ما دامت تمارس في إطار القانون، ودون المساس باستقلال القضاء أو محاولة التأثير على المحكمة.

رابعا، القول بأن الإضراب فقد قوته الأخلاقية ليس حكما مطلقا، بل يتوقف على معيار التناسب. فإذا أدى استمرار الإضراب إلى إلحاق ضرر جسيم ومستمر بحقوق المتقاضين دون تحقيق غاية عملية بعد الإحالة، فإن النقاش حول جدواه يصبح مشروعا. أما إذا كان الإضراب يهدف إلى الدفاع عن ضمانات دستورية تمس مرفق العدالة واستقلال المهنة، فإن تقييم مشروعيته الأخلاقية يظل محل اجتهاد واختلاف.

وأخيرا، صحيح أن المحكمة الدستورية تحكم لفائدة الدستور أولا وأخيرا، لكن حماية الدستور ليست حكرا عليها. فالمجتمع المدني، والهيئات المهنية، والفقه القانوني، والرأي العام، جميعها تسهم في ترسيخ الثقافة الدستورية، كل من موقعه، مع الالتزام الكامل باحترام اختصاصات المحكمة واستقلالها.

ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ينبغي أن يستمر الإضراب أم لا؟ وإنما: هل أصبحت كلفته على حقوق المتقاضين أكبر من قيمته في حماية المبادئ التي يعلن الدفاع عنها؟ ذلك هو المعيار الذي ينبغي أن يحكم النقاش القانوني والأخلاقي بعيدا عن الأحكام القطعية ؛ وفي ذلك امتحان لمدى تمسك المحامين بإستقلاليتهم بعيدا عن أي تاثير عاطفي أو سياسي عرضي !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى