تصويب أستاذ

الأنوار 24
أستاذ يرد:
إلى المتحدث باسم فدرالية آباء التلاميذ، تصريحك المستفز ليس سوى مرآة لضحالة فكرية صارخة، وفهم مشوه لطبيعة المنظومة التربوية، وتجسيد بائس لخطاب شعبوي لا عمق فيه ولا اتزان. لقد اخترت أسهل الأهداف وأكثرها تعرضًا للجلد في هذا الوطن: الأستاذ. لا لأنك صاحب حق، بل لأنك تفتقر إلى الشجاعة التي تُلزمك بمواجهة الفساد الحقيقي في مفاصل الدولة، فآثرت أن تصوّب سهامك نحو من بقي في الميدان صامدًا، رغم الظلم، والتهميش، والخذلان.كيف تجرؤ على اختزال عام دراسي كامل، بما فيه من سهرٍ، وتخطيطٍ، وتعبٍ جسدي ونفسي، ومواجهة يومية مع واقع مدرسي هشّ، في كلمة “عطلة”؟ أي جهل هذا الذي يحملك على تصويرها ترفًا لا يُستحق، بينما هي في حقيقتها لحظة تنفّس قصيرة بعد أشهر من الإنهاك المهني والعقلي؟ هل تعلم أن من يُدرّس في أقسام مكتظة، ويصحح مئات الأوراق، ويتعامل مع تلاميذ يعانون من هشاشة اجتماعية وتعليمية ونفسية، لا يطلب إجازة بل يُطالِب بحقٍّ في استرداد أنفاسه؟ ثم تتحدث عن “المال العام” وكأن الأستاذ ينهب خزينة الدولة، بينما تعلم – ونتحداك أن تنكر – أن هذا المال يُهدر في مناصب الريع، والتعويضات غير المستحقة، والصفقات المريبة، والامتيازات الفلكية التي تُمنح لمن لا يقدمون للوطن شيئًا سوى البلاغات الفارغة والوعود المكرورة.
تتحدث وكأنك الناطق باسم التلاميذ وآبائهم، والحقيقة أن هؤلاء غادروا المدارس فعليًا بعد الامتحانات الإشهادية، كما هو معتاد منذ عقود، لا لأنهم يكرهون التعلم، بل لأن السياسات التعليمية – التي لا تجرؤ على نقدها – حوّلت المدرسة إلى فضاء جاف، خالٍ من الإلهام، طارد لكل رغبة في التحصيل. تطالب بتمديد الدراسة، وكأن فصولنا مجهزة، ومناهجنا محفزة، وإداراتنا مُهيأة. لكن الواقع يُكذّبك، والتاريخ يُدينك. أما المعلم، الذي لا تراه سوى كموظف يتقاضى أجرًا، فهو في الحقيقة مرابطٌ في خطوط التربية الأمامية، صامدٌ رغم قلة ذات اليد، مُربٍّ رغم امتهان الكرامة، ومُنقِذٌ لجيل يحاول أن يجد في المدرسة ما فشلت فيه الأسرة والإعلام والسياسة. فلا تُزايد على رجال ونساء أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن الحقيقي: الوطن الذي يبدأ من السبورة، لا من المنابر الإعلامية. ولا تتطاول على من علمك كيف تمسك القلم، ثم عدت لتكسر به أعمدة الوعي.
نصيحة صادقة: قبل أن تتحدث عن المال العام، اقرأ في فلسفة التعليم. وقبل أن تُصدر الأحكام، تأمل في الواقع التربوي جيدًا. وإن كنت عاجزًا عن الفهم، فالصمت أبلغ، والاعتذار أشرف، والسكوت في حضرتك فضيلة. أما الأستاذ، فسيظل شامخًا، رافع الرأس، لا يُقاس بعطلته، بل برسالته.



