سياسةفن و ثقافة

من يقرر أمنياً يشرّع مالياً، ومن يشرّع مالياً يقرر سياسياً

تأملات متفاعلة حول قضايا الأمن والقضاء والسياسة والإقتصاد

الأنوار 24/ مصطفى المنوزي

تجاوباً وتفاعلاً مع مقالي السابق تحت عنوان: «عندما يصبح “الممكن” قيداً على السيادة: آثار الاستثمار الخارجي تجاه منظومة العدالة في المغرب»، بادر زميل قدير إلى طرح استفهامين اعتبرتهما، منذ البداية، جديرين بأن يتفاعل معهما الجميع، لا أن يتحولا بالضرورة إلى محادثة ثنائية أو إلى صيغة سؤال وجواب.

فقد تساءل، في الجوهر:

أولاً: بأي معايير عملية يمكن قياس نجاعة العدالة الاقتصادية في المغرب، بعيداً عن خطاب «جاذبية الاستثمار»، من قبيل آجال الفصل في النزاعات، ونسبة تنفيذ الأحكام، وكلفة التقاضي؟

وثانياً: من الجهة القادرة اليوم على كشف الضغوط والتأثيرات التي تجعل بعض الخيارات التشريعية والتنظيمية «ممكنة»، بينما تجعل خيارات أخرى «مستبعدة»، وكيف يمكن إخضاع ذلك لآليات الشفافية والرقابة؟

وإذا كنت قد أكدت أن التفاعل مع مثل هذه الأسئلة يصعب اختزاله في طريقة «سؤال/جواب»، فلأنها، في تقديري، تفتح على إشكالية أوسع من حدود التخصص في مجال بعينه. ذلك أن الفصل الصارم بين الحقول الأمنية والاقتصادية والمالية والتشريعية والسياسية يبدو، في الواقع، متعذراً؛ فهي تتشابك وتتفاعل لتشكل نسيجاً واحداً من السلطة والنفوذ وصناعة القرار.

من سؤال الاستثمار إلى سؤال السلطة

يزداد الأمر تعقيداً باستحضار المجالات السيادية والأمنية التي تحاط، بحكم طبيعتها الدستورية والمؤسساتية، بدرجات متفاوتة من التحفظ والسرية، فضلاً عن الاختصاصات الاستراتيجية المسندة إلى مؤسسات الدولة، وعلى الخصوص ما يرتبط بالمجال الذي درج الخطاب السياسي والدستوري على وصف بعض جوانبه بـ**«المجال المحفوظ»**.

ومن هنا يمكن أن نفهم كيف أن من يملك القدرة على تعريف المخاطر وتحديد الأولويات الأمنية يستطيع أن يؤثر في توجيه السياسات والموارد المالية، وأن من يتحكم في الخيارات الاقتصادية والمالية يمكن، بحكم قوة تأثيره، أن يوسع مجال نفوذه ليطال القرار السياسي والتشريعي.

ومن هنا أيضاً تبرز المعادلة التي أقترحها، لا باعتبارها حقيقة ناجزة، وإنما باعتبارها فرضية نقدية قابلة للتفكيك والاختبار:

«من يقرر أمنياً يشرّع مالياً، ومن يشرّع مالياً يقرر سياسياً».

أهمية هذه المعادلة أنها لا تنظر إلى الأمن والاقتصاد والسياسة كجزر منفصلة، وإنما تسأل عن مسارات انتقال النفوذ بينها: كيف يتحول تعريف الخطر إلى أولوية مالية؟ وكيف تتحول الأولوية المالية إلى خيار تشريعي؟ وكيف يمكن للخيار الاقتصادي أو المالي أن يضيق أو يوسع، في نهاية المطاف، مجال القرار السياسي؟

وهنا ننتقل من سؤال «هل نحتاج إلى الاستثمار؟» إلى سؤال أكثر عمقاً:

من يملك القدرة على تعريف المصلحة العامة، ومن يحدد حدود الممكن باسم الأمن أو الاقتصاد أو المالية أو جاذبية الاستثمار؟

أولاً: كيف نقيس نجاعة العدالة الاقتصادية؟

إذا كان الخطاب السائد يربط العدالة الاقتصادية، في جانب مهم منه، بمدى قدرة الدولة على توفير بيئة جاذبة للاستثمار، فإن السؤال النقدي هو: هل جاذبية الاستثمار تكفي وحدها معياراً لقياس نجاعة العدالة الاقتصادية؟

بالتأكيد لا.

فالمعايير الأولية التي اقترحها الزميل ــ آجال الفصل في النزاعات، ونسبة تنفيذ الأحكام، وكلفة التقاضي، واستقرار الاجتهاد القضائي ــ تمثل نقلة مهمة من خطاب «جاذبية الاستثمار» إلى خطاب فعالية العدالة.

لكن القراءة النقدية تقتضي توسيع دائرة القياس.

فلا يكفي أن تكون العدالة سريعة ورخيصة في المتوسط؛ بل ينبغي أن نسأل: سريعة ورخيصة بالنسبة إلى من؟

وهنا يبرز معيار التوزيع والإنصاف.

فعدالة سريعة ومنخفضة الكلفة بالنسبة إلى المستثمر الكبير، وبطيئة ومرهقة بالنسبة إلى المواطن أو المقاولة الصغيرة، لا يمكن أن تكون عدالة اقتصادية متكافئة. ولذلك ينبغي ألا تقاس مؤشرات السرعة والكلفة والتنفيذ بصورة مجردة، بل وفقاً لطبيعة الأطراف ومواقعهم الاقتصادية وقدرتهم الفعلية على الوصول إلى القضاء. ثم يأتي معيار القابلية للتوقع ، فاستقرار الاجتهاد لا يعني الجمود، كما أن تطور التشريع والقضاء ليس عيباً في ذاته. المعيار هو قدرة المتقاضي والفاعل الاقتصادي على توقع الاتجاهات العامة للقواعد القانونية والاجتهادية، وفهم أسباب التحول عندما يحدث.

ومن هنا يمكن طرح مؤشرات عملية تتعلق بالتغيرات التشريعية المفاجئة وغير المبررة، ومدى انتظامها، وتتبع تطور الاجتهاد القضائي في المنازعات الاقتصادية والاستراتيجية، ومدى وضوح مبررات العدول عن توجهات سابقة.

أما المعيار الثالث فهو النفاذ الفعلي إلى العدالة ، فالسؤال ليس فقط: هل توجد محاكم؟ وهل توجد مساطر؟ وإنما: كم من المواطنين والمقاولات الصغرى والمتوسطة يستطيعون فعلاً اللجوء إلى القضاء وتحمل كلفة التقاضي وانتظار نتيجته وتنفيذ الحكم الصادر لفائدتهم؟

وهنا يظهر البعد الاجتماعي للعدالة الاقتصادية الذي كثيراً ما يغيب عن المؤشرات الدولية التي تركز على ثقة المستثمر وكلفة ممارسة الأعمال ؛ فالأمن القانوني ليس امتيازاً للمستثمر وحده؛ إنه حق للمواطن، والمقاولة الوطنية، والأجير، والمستهلك، والمستثمر الأجنبي، على قدم المبدأ ، وإلا تحول «الأمن القانوني» إلى أمن انتقائي أو إلى أمن يخدم مواقع اقتصادية محددة بدل أن يؤسس لثقة عامة في دولة القانون.

ثانياً: من يحدد ما هو «ممكن» وما هو «مستبعد»؟

هنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية : من يحدد مسبقاً ما هو «ممكن» وما هو «مستبعد» من الخيارات، قبل أن تصل هذه الخيارات أصلاً إلى مرحلة النقاش العمومي؟

والتأثير هنا لا يشترط أن يأخذ شكل ضغط مباشر أو تدخلاً معلناً. فقد يكون كامناً في آليات إنتاج القرار نفسها : 

من يعرّف الأولويات؟ من يحدد المخاطر؟ من يقدم الخبرة والمعطيات؟ من يملك القدرة على صياغة البدائل؟ من يحدد كلفة كل خيار؟ ومن يستبعد خياراً معيناً بدعوى عدم الجدوى الاقتصادية أو ارتفاع كلفته المالية أو مخاطره الأمنية؟

إن تفكيك هذا السؤال يقتضي، في تقديري، النظر إلى التأثير عبر مستويات متداخلة : 

المستوى الأول: التأثير المالي والمؤسساتي الدولي

لا مناص من استحضار أدوار المؤسسات المالية الدولية، وسياسات الاشتراط والتوصيات ذات الأثر البنيوي، فضلاً عن مؤسسات التصنيف الائتماني.

ولا يعني ذلك أنها «تفرض» بالضرورة خياراتها على الدول بصورة مباشرة، وإنما أن لها قدرة على تحديد مجال الممكن من خلال تقييم المخاطر السيادية، وكلفة التمويل، والتوقعات الاقتصادية، والمؤشرات التي يمكن أن تؤثر في القرار الوطني.

فالدولة التي تخشى تدهور تصنيفها أو ارتفاع كلفة تمويلها قد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها أو تضييق هامش بعض الخيارات، حتى دون وجود أمر مباشر أو إملاء صريح.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً:

متى تكون التوصية الدولية مجرد خبرة، ومتى تتحول، بحكم ميزان القوة، إلى قيد فعلي على السيادة الاقتصادية والتشريعية؟

المستوى الثاني: التأثير المؤسساتي والأمني

ثمة مجالات استراتيجية وأمنية لا يمكن إخضاعها للشفافية نفسها التي تخضع لها السياسات العامة العادية، بحكم طبيعة المعلومات والمخاطر المرتبطة بها.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول السرية الضرورية إلى حصانة غير قابلة للمراجعة، أو عندما يصبح من الصعب التمييز بين ما تقتضيه الضرورة الأمنية فعلاً، وما قد يستند إليها لتبرير اختيار مؤسساتي أو اقتصادي أو سياسي.

وهنا لا يتعلق الأمر بالمطالبة بكشف أسرار الدولة أو تعريض الأمن للخطر، وإنما بالسؤال عن إمكان بناء رقابة على الإجراءات والمنهجيات والنتائج دون كشف ما يجب أن يبقى سرياً.

المستوى الثالث: التأثير المعرفي والاستشاري

لا ينبغي كذلك تغييب الخبرات الأمنية الدولية، والاستشارات التقنية والاقتصادية والقانونية، ومكاتب الخبرة التي تشارك في تعريف المشكلات واقتراح البدائل.

فالخبرة قد تبدو تقنية ومحايدة، لكنها ليست دائماً خالية من التصورات المسبقة حول الدولة، والتنمية، والسوق، والأمن، والإنفاق العمومي، ودور القطاع الخاص.

ومن ثم لا يكفي أن نسأل: من اتخذ القرار؟ بل ينبغي أن نسأل أيضاً: من أنتج المعرفة التي بُني عليها القرار؟

المستوى الرابع: التأثير الخطابي

وهذا ربما هو المستوى الأكثر خفاءً ، فقد لا يتم استبعاد خيار بقرار رسمي، وإنما من خلال إنتاج خطاب يصوره منذ البداية باعتباره «غير واقعي»، أو «غير ممكن اقتصادياً»، أو «مكلفاً مالياً»، أو «مهدداً للاستقرار»، أو «ضاراً بجاذبية الاستثمار».

وعندما تتكرر هذه اللغة، يتحول الاستبعاد من قرار يحتاج إلى تبرير إلى مسلمة لا تحتاج إلى نقاش.

وهنا تحديداً يصبح مفهوم «الممكن» نفسه موضوعاً للبحث.

ثالثاً: من شفافية النص إلى شفافية صناعة النص : 

إذا كانت بعض الخيارات تستبعد قبل وصولها إلى النقاش العمومي، فإن الشفافية لا ينبغي أن تقتصر على نشر النص النهائي ، ينبغي أن تمتد إلى مسار صناعة النص والقرار.

أي: إتاحة الدراسات والمعطيات التي بني عليها القرار، في الحدود التي لا تمس المصالح المحمية قانوناً؛ وتوثيق المشاورات والجهات المشاركة في الإعداد؛و الإفصاح عن الخبرات والمصالح المؤثرة في الصياغة؛ فبيان البدائل التي جرى النظر فيها؛ ثم شرح أسباب استبعاد البدائل الأخرى؛ وإخضاع النتائج لاحقاً للتقييم والمراجعة.

وهذا يطرح معضلة حقيقية: كيف نوازن بين ضرورة السرية في بعض المجالات السيادية والأمنية، وبين ضرورة الشفافية التي تمنع تحول السرية إلى قناة لتأثير غير معلن؟

ربما لا يكون الحل في إلغاء السرية، وهو أمر غير واقعي وغير مطلوب، وإنما في بناء رقابة ذكية ومتدرجة لا تستهدف بالضرورة مضمون القرار السري، وإنما مسار اتخاذه ونتائجه ومدى سلامة التقديرات التي بُني عليها.

رابعاً: أية رقابة على «الممكن»؟

يمكن، في هذا السياق، التفكير في ثلاث دوائر للرقابة.

أولها: الرقابة الإجرائية ، وهي لا تتدخل بالضرورة في مضمون القرار الأمني أو الاستراتيجي، وإنما تسأل: هل أُنجزت دراسات الأثر؟ وهل جرى الاستماع إلى خبرات مستقلة؟ وهل جرى فحص البدائل؟ وهل وثقت أسباب الاستبعاد؟ وهل تم تحديد المصالح المتأثرة؟

ثانيها: الرقابة البعدية.

أي تقييم نتائج القرار بعد تنفيذه ، فإذا استُبعد خيار معين بسبب «مخاطر أمنية» أو «كلفة مالية» محددة، ثم تبين لاحقاً أن تلك المخاطر لم تتحقق أو أن التقديرات كانت مبالغاً فيها، فإن ذلك لا يثبت وحده وجود تأثير غير مشروع، لكنه يفتح باباً مشروعاً لفحص جودة التقدير ومصادره ودوافعه.

ثالثها: الرقابة المقارنة.

وذلك من خلال مقارنة التجربة المغربية بدول مشابهة من حيث النظام المؤسساتي والمستوى التنموي والظروف الاقتصادية، لمعرفة ما إذا كانت بعض الاختيارات استثناءً مبرراً أم أنها تكشف عن نمط خاص في صناعة القرار ، فالرقابة المقارنة لا تبحث عن نسخ التجارب، وإنما تساعد على كشف ما إذا كان هناك اختلاف غير مبرر يستحق التفسير.

خامساً: تداخل طبيعي أم إعادة هيكلة لمراكز القوة؟

هنا نصل إلى السؤال الذي ربما يشكل قلب الإشكالية كلها:

هل ما نراه مجرد تداخل طبيعي وضروري بين الأمن والاقتصاد والسياسة، أم أننا أمام إعادة هيكلة غير معلنة لمراكز القوة داخل مؤسسات الدولة وآليات صناعة القرار العمومي؟

هناك، بالتأكيد، ما يدعم الفرضية الأولى ، فالدولة الحديثة معقدة، والتنسيق بين مؤسساتها وقطاعاتها ضرورة وظيفية. والأمن والاقتصاد والسياسة ليست مجالات معزولة، وإنما أبعاد مترابطة لإدارة المجتمع وتحقيق الاستقرار والتنمية.

كما أن وجود تأثير متبادل بينها لا يعني، في حد ذاته، وجود مؤامرة أو انحراف مؤسساتي.

لكن هناك، في المقابل، ما يجعل الفرضية الثانية جديرة بالبحث.

فحين يتزايد حضور الاعتبارات الأمنية في المجال الاقتصادي، وحين يصبح «الاستقرار الأمني» جزءاً من القيمة الاستثمارية للدولة، وحين تتشابك المصالح والنخب والموارد بين أكثر من مجال، وحين تصبح بعض الخيارات الاقتصادية أو التشريعية مقيدة مسبقاً باعتبارات لا تخضع كلها للنقاش العمومي، فإن السؤال عن إعادة توزيع مراكز القوة يصبح مشروعاً.

والمطلوب هنا ليس إثبات النتيجة مسبقاً، وإنما اختبار الفرضية بالمعطيات والوقائع والمؤشرات ، فالمسألة ليست في وجود التداخل، وإنما في طبيعته وحدوده وآليات ضبطه.

نحو إعادة بناء المعادلة :

لذلك، فالرهان ليس اختياراً بين جاذبية الاستثمار والعدالة الاجتماعية، ولا بين الاقتصاد والدولة، وإنما بناء توازن يجعل الاستثمار أداة للتنمية لا معياراً مطلقاً لتعريف المصلحة العامة.

فالسؤال الأعمق ليس فقط: كيف نجعل المغرب أكثر جاذبية للاستثمار؟ بل: كيف نحقق ذلك دون أن يتحول الاستثمار، بحكم قوته التفاوضية أو تأثيره الاقتصادي أو الالتزامات المرتبطة به، إلى قوة تحدد سلفاً حدود التشريع والسياسة والعدالة؟

وإذا كانت المعادلة المقترحة تقول: «من يقرر أمنياً يشرّع مالياً، ومن يشرّع مالياً يقرر سياسياً»؛ فإن دولة القانون، باعتبارها طموحاً ومطلباً مجتمعياً، مطالبة بإضافة قيد جوهري:

«ومن يقرر سياسياً يظل خاضعاً للدستور والقانون والرقابة والمساءلة».

بل ربما ينبغي أن نذهب أبعد من ذلك: ليس المطلوب فقط أن يخضع القرار السياسي للقانون، وإنما أن تكون عملية إنتاج القرار نفسها قابلة للتفسير والتدقيق، حتى لا تتحول السلطة الفعلية إلى ما يقع خارج النصوص والمؤسسات المرئية.

فالمسألة في جوهرها ليست إنكار التداخل الطبيعي بين الأمن والاقتصاد والسياسة، وإنما منع هذا التداخل من أن يتحول إلى انتقال غير مرئي لمراكز القوة، أو إلى إعادة ترتيب غير معلنة لأولويات الدولة خارج آليات النقاش العمومي والمساءلة الديمقراطية.

ولذلك فإن السؤال الذي يتجاوز حدود النقاش حول الاستثمار نفسه هو:

هل نحن أمام مجرد تداخل طبيعي وضروري بين الأمن والاقتصاد والسياسة، أم أمام إعادة هيكلة غير معلنة لمراكز القوة داخل مؤسسات الدولة وآليات صناعة القرار العمومي؟

وربما يكون السؤال الأعمق من ذلك كله: من يملك اليوم سلطة تعريف «الممكن»؟

لأن من يملك تعريف الممكن لا يحتاج دائماً إلى إصدار القرار؛ يكفيه أن يحدد مسبقاً حدود الخيارات التي يمكن أن تصل إلى القرار.

وهنا تحديداً تلتقي مسألة الاستثمار مع العدالة، والاقتصاد مع الأمن، والتشريع مع السيادة، والسياسة مع سؤال الرقابة؛ لنكتشف أن المعركة الحقيقية ليست فقط حول مضمون القرار، وإنما حول من يملك حق رسم حدود الممكن قبل أن يبدأ النقاش حوله .

ولعل هذا يقودنا إلى سؤال مفتاحي في التفكير التوقعي:

كيف سيكون الوضع لو تم تنصيب المجلس الأعلى للأمن، ودسترة مجلس الدولة كأعلى هيئة قضائية للنظر في المنازعات الإدارية والشطط في استعمال السلطة؟

هل كان من شأن ذلك أن يعيد ترتيب العلاقة بين الأمن والاقتصاد والتشريع والسياسة، وأن يجعل القرار الأمني أكثر مأسسة، والقرار الإداري أكثر خضوعاً للرقابة القضائية، وبالتالي أكثر قدرة على حماية سيادة القانون وحدود الممكن؟

وبعبارة أكثر اختصاراً:

هل نحن بحاجة فقط إلى تغيير القرارات، أم إلى إعادة هندسة المؤسسات التي تنتج القرار وتراقبه؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى