سياسةفن و ثقافة

الإحالة البيضاء ليست تحصيناً أبيض

أو في حدود حجية الرقابة السابقة على قانون المحاماة

الأنوار 24/ مصطفى المنوزي

يثير موقف الأستاذ إسماعيل الجباري الكرفطي بشأن إحالة قانون تنظيم مهنة المحاماة على المحكمة الدستورية إشكالية دستورية بالغة الأهمية، تتجاوز في الواقع قانون المحاماة ذاته إلى العلاقة بين الرقابة الدستورية السابقة والدفع اللاحق بعدم الدستورية.

وينطلق الموقف من تخوف مفهوم: فإذا أحيل القانون برمته إلى المحكمة الدستورية دون تحديد المطاعن الموجهة إلى مواد بعينها، ثم اختارت المحكمة ألا تفحص إلا ما ظهر لها بصورة جلية أنه مخالف للدستور، فهل يؤدي صدور قرارها بعد ذلك إلى إضفاء ما يشبه “شهادة الدستورية” على القانون بكامله، بما في ذلك المواد التي لم تكن موضوع فحص دستوري فعلي؟

السؤال وجيه، لكن الجواب يقتضي التمييز بين الإحالة والفحص والحكم والحجية.

فإحالة القانون بكامله لا تعني بالضرورة أن المحكمة فحصت، من تلقاء نفسها، كل مادة وكل فقرة وكل فرضية تطبيقية ممكنة فيه. كما أن وجود النص داخل القانون المحال لا يعني أن دستوريته أصبحت بالضرورة موضوعاً قضائياً حُسم فيه.

وهنا تظهر أهمية السابقة التي يستند إليها الأستاذ الجباري بشأن قانون المسطرة المدنية. فإذا كانت المحكمة الدستورية قد قررت أنها ليست ملزمة بفحص باقي المقتضيات غير المثارة إلا بقدر ما يتبين لها بصورة جلية أنها مخالفة للدستور، فإن هذا التعليل نفسه يمكن أن يقود إلى نتيجة مختلفة عن فكرة التحصين: ما لم تفحصه المحكمة ولم تفصل في دستوريته لا ينبغي أن يستفيد من حجية شيء لم يقع الحكم فيه أصلاً.

فالفصل 134 من الدستور يمنح قرارات المحكمة الدستورية حجية ملزمة لجميع السلطات العامة والجهات الإدارية والقضائية. غير أن حجية القرار شيء، وتحويل الإحالة السابقة إلى حصانة تشريعية شاملة شيء آخر. والحجية، بحسب منطق القضاء الدستوري، ينبغي أن تتصل بما فصلت فيه المحكمة فعلاً، وبما كان ضرورياً للوصول إلى منطوق قرارها، لا بمجرد وجود مقتضى داخل وعاء تشريعي سبق عرضه عليها.

وتزداد أهمية هذا التمييز عند قراءة الفصل 134 إلى جانب الفصل 133 من الدستور، الذي أحدث الدفع بعدم الدستورية لحماية الحقوق والحريات عندما يكون القانون المراد تطبيقه في نزاع معين ماساً بها. فالرقابتان لا تؤديان الوظيفة نفسها تماماً.

الرقابة السابقة تفحص النص في حالته المجردة قبل دخوله حيز التطبيق، بينما يكشف الدفع بعدم الدستورية عن المشكلة الدستورية من داخل نزاع واقعي وتطبيق قضائي ملموس. وقد يبدو النص سليماً في التجريد، ثم يكشف تطبيقه عن أثر يمس حقاً أو حرية دستورية لم تكن المسألة بشأنهما مطروحة أثناء الرقابة السابقة ، ومن هنا تبدو عبارة “شهادة الدستورية” محتاجة إلى الحذر. فالمحكمة الدستورية لا تمنح القانون شهادة صلاحية دستورية أبدية ومطلقة، وإنما تفصل في مسائل دستورية ضمن نطاق رقابتها ووفقاً لما عرض عليها أو أثارته تلقائياً.

وبالتالي، فإن القول بأن الإحالة البيضاء قد “تحصن” قانون المحاماة ينبغي قلبه إلى سؤال أكثر دقة:

هل يجوز أن تمتد حجية قرار المحكمة الدستورية إلى مقتضيات لم تفحصها المحكمة فحصاً صريحاً ولم تقل كلمتها في المسألة الدستورية التي ستثار لاحقاً بشأنها؟

إذا كان الجواب بالإيجاب، سنكون أمام مفارقة خطيرة حيث تتحول الإحالة البيضاء، التي يفترض أن توسع الحماية الدستورية، إلى وسيلة غير مباشرة لتقليص مجال الدفع بعدم الدستورية المقرر في الفصل 133 ، أما إذا كان الجواب بالنفي، وهو الأقرب إلى فلسفة الحماية الدستورية للحقوق والحريات، فإن الإحالة البيضاء لا تحصن النص؛ بل تظل الحجية مرتبطة بما فُحص وحُسم، بينما تبقى المسائل الدستورية التي لم يقع الفصل فيها قابلة للإثارة متى توافرت شروط الدفع بعدم الدستورية.

لذلك يمكن الاتفاق مع الأستاذ إسماعيل الجباري في دعوته المحكمة الدستورية إلى ممارسة رقابة واسعة على قانون المحاماة، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بحقوق الدفاع والمحاكمة العادلة والولوج إلى العدالة واستقلال الدفاع. لكن ينبغي التحفظ على الانتقال من قصور الرقابة السابقة إلى نتيجة مفادها التحصين اللاحق ؛ فالقصور في الفحص لا ينبغي أن ينتج حصانة، 

وعدم إثارة المحكمة لمقتضى معين لا ينبغي أن يتحول إلى حكم ضمني بدستوريته ، والسكوت عن المسألة الدستورية ليس بالضرورة فصلاً فيها . وهنا تكمن المسألة التي قد تكون أهم من الجدل حول “الإحالة البيضاء” نفسه: تحديد نطاق حجية الشيء المقضي به دستورياً.

فإذا صدر قرار المحكمة بشأن قانون المحاماة، لن يكون السؤال فقط هل قالت المحكمة إن القانون مطابق للدستور؟ بل ينبغي تفكيك القرار إلى ثلاثة مستويات: ما فحصته المحكمة صراحة؛ وما أثارته تلقائياً وفصلت فيه؛ وما بقي خارج الفحص والتعليل.

وعندئذ فقط يمكن تحديد الحدود الفاصلة بين حجية الفصل 134 وحق المتقاضي في الدفع بمقتضى الفصل 133.

وبهذا التحليل ، فإن الضمانة الحقيقية ليست مطالبة المحكمة بمنح قانون المحاماة “شهادة دستورية شاملة”، بل العكس تماماً ، أي منع تحول الرقابة السابقة إلى قرينة مطلقة على دستورية ما لم يُفحص لأن الرقابة الدستورية ضمانة للحقوق وليست تقنية لتحصين التشريع، والإحالة البيضاء لا ينبغي أن تنتج ـ في دولة القانون ـ حصانة بيضاء على وزن شيك على بياض .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى