سياسةفن و ثقافة

المادة 77 من قانون المسطرة المدنية في ضوء فلسفة التعاقد والبطلان الجزئي

قراءة نقدية نسقية في تقاطع الفصول 112 و230 و308 من قانون الالتزامات والعقود مع الضمانة الدستورية للتقاضي

الأنوار 24/ مصطفى المنوزي

لا تقتصر العملية التشريعية على إنتاج قواعد قانونية ملزمة، وإنما تشكل، في بعدها الدستوري والمؤسساتي، عملية تعاقدية تنظم العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتحدد الحقوق والالتزامات وشروط ممارستها ؛ فالقانون، وإن لم يكن عقداً مدنياً بالمعنى التقني، فهو يتقاطع مع فلسفة التعاقد في مشروعية الإلزام وحدود الاشتراط وآثار البطلان.

ومن هذا المنطلق، تتيح الفصول 112 و230 و308 من قانون الالتزامات والعقود مدخلاً تأصيلياً لمساءلة المادة 77 من قانون المسطرة المدنية رقم 58.25، ليس بقصد إخضاع التشريع العادي لأحكام العقود المدنية، وإنما لاستحضار فلسفة القانون والعقلانية القانونية المشتركة التي تحكم صحة الالتزام ومشروعية الشرط وقابلية فصل الجزء الباطل عن باقي التصرف.

فالفصل 230 يقرر أن الالتزامات التعاقدية المنشأة على وجه صحيح تقوم مقام القانون بالنسبة إلى منشئيها، تجسيداً لقاعدة «العقد شريعة المتعاقدين». وتكمن أهمية هذا المقتضى في أن القوة الملزمة مشروطة بالصحة، فلا يكفي وجود الإرادة لإنشاء التزام مشروع، كما لا يكفي صدور التشريع لإعفائه من الخضوع للضوابط الدستورية التي تؤسس مشروعيته.

أما الفصل 112، الوارد ضمن القسم الثاني المتعلق بأوصاف الالتزام، في الباب الأول الخاص بالشرط، فيقرر بطلان الالتزام إذا كان وجوده معلقاً على محض إرادة الملتزم. ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد عيب في الرضا يبرر الإبطال، بل باختلال في بنية التصرف الإلزامية ، عندما يصبح وجود الالتزام رهيناً بالمشيئة المحضة لمن يفترض أنه ملتزم به ، حيث تتجلى أهمية هذا التمييز في أن المشرع استعمل جزاء البطلان، لا مجرد القابلية للإبطال، بما يكشف عن رفضه للاشتراط الذي يفرغ الالتزام من قوته الإلزامية، دون أن يعني ذلك بالضرورة انعدام الرضا بالتعاقد في جميع الأحوال ؛ ومن هذه الزاوية، يثير اشتراط المادة 77 الإدلاء بالبريد الإلكتروني للشخص الاعتباري المدعى عليه، تحت طائلة عدم قبول الدعوى، إشكالاً يتجاوز الشكليات المسطرية إلى حدود السلطة التشريعية في تعليق ممارسة حق دستوري على تقديم معلومة قد لا يملك المدعي سلطة الحصول عليها.

وتتعمق المفارقة عند قراءة المادة 77 بالاقتران مع المادة 627 من القانون نفسه، التي تجعل التصريح بالعنوان الإلكتروني وقبول التبليغ عبر المنصة إمكانية بالنسبة إلى أشخاص القانون الخاص ومشروط بالترخيص للغير بالاستعمال . 

فكيف يجوز أن يصبح ما هو اختياري بالنسبة إلى صاحب العنوان شرطاً إلزامياً بالنسبة إلى خصمه، قد يؤدي تعذر استيفائه إلى عدم قبول الدعوى، رغم إمكان تحديد المدعى عليه وتبليغه بالوسائل القانونية الأخرى؟

صحيح أن الشرط الإرادي المحض المنصوص عليه في الفصل 112 ق ل ع يتعلق بإرادة الملتزم نفسه، بينما يتعلق الإشكال المسطري بإرادة الخصم في إتاحة المعلومة. ولذلك لا مجال للمطابقة القانونية المباشرة بين الحالتين ؛ غير أن التقاطع يكشف عن حكمة تشريعية مشتركة، مفادها أن الاشتراط لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتعطيل الالتزام أو إفراغ الحق من مضمونه.

وتكتسب هذه الحكمة بعداً دستورياً عندما يتعلق الأمر بالحق في التقاضي، الذي يضمنه الفصل 118 من الدستور المغربي. فالدولة، بوصفها الضامن المؤسسي لهذا الحق، لا يكفي أن تعترف به، وإنما يتعين أن تنظم ممارسته بشروط معقولة وقابلة للتنفيذ، دون أن تجعل الولوج إلى القضاء رهيناً بإرادة الخصم أو بمعلومة يتعذر الحصول عليها موضوعياً ؛ وهنا تتحدد أطروحتنا المركزية أي أن الشرط التعجيزي يعد محلا للبطلان، وليس المادة 77 بكاملها.

فلا يتعلق الأمر بالطعن في مشروعية البيانات الضرورية لتحديد الأطراف وانتظام الخصومة، وإنما بالاعتراض على اشتراط بيان إلكتروني قد يكون خارج القدرة المعقولة للمدعي، مع ترتيب جزاء عدم القبول على تخلفه.

وفي هذا السياق، يكتسب الفصل 308 من قانون الالتزامات والعقود أهمية خاصة، إذ ينص على أن:

«بطلان جزء من الالتزام يبطل الالتزام في مجموعه، إلا إذا أمكن لهذا الالتزام أن يبقى قائماً بدون الجزء الذي لحقه البطلان، وفي هذه الحالة الأخيرة يبقى الالتزام قائماً باعتباره عقداً متميزاً عن العقد الأصلي».

وتكشف هذه القاعدة عن منطق دقيق للبطلان الجزئي، قوامه أن الأصل هو امتداد البطلان إلى مجموع الالتزام، بينما يُستثنى من ذلك ما أمكن أن يستمر قائماً دون الجزء الباطل.

وباستحضار هذه الحكمة، يمكن الدفاع عن قابلية الفصل بين الشرط المتعلق بالبريد الإلكتروني للمدعى عليه وبقية مقتضيات المادة 77، ما دامت هذه الأخيرة تستطيع الاستمرار في أداء وظيفتها الإجرائية المتمثلة في تحديد الأطراف وتنظيم تقديم الدعوى وضمان انتظام الخصومة دون تعسف . 

وعليه، فإن الاعتراض على الشرط التعجيزي لا يستوجب إسقاط النص التشريعي في مجموعه، وإنما يقتضي حصر المساءلة في الجزء الذي يمس جوهر الحق في التقاضي، مع الإبقاء على بقية المقتضيات السليمة.

غير أن الانضباط القانوني يقتضي التمييز بين البطلان الجزئي للالتزامات المدنية، الذي ينظمه الفصل 308 مباشرة، وبين عدم دستورية مقتضى تشريعي وآثارها، التي تخضع للنظام الدستوري وآليات الرقابة المختصة ؛ ولذلك فإن الفصل 308 يقدم أساساً قياسياً لفكرة قابلية الفصل، لا حكماً مباشراً بإلإشهاد على بطلان جزء من قانون المسطرة المدنية.

وتسمح المقاربة النسقية والكليانية بتعميق هذا الاستنتاج من خلال التمييز بين وظيفة البيانات الإجرائية والغاية الدستورية من التقاضي، والاقتران بين المادتين 77 و627 ومقتضيات التبليغ القضائي، ثم تحقيق الالتقائية حول حماية الحقوق وضمان فعالية العدالة ؛ فإذا أمكن تحديد الشخص الاعتباري المدعى عليه وتبليغه قانوناً دون معرفة بريده الإلكتروني، فإن ترتيب عدم قبول الدعوى بسبب غياب هذا البيان يثير سؤالاً جدياً حول ضرورة الشرط وتناسب الجزاء، ومدى وجود مصلحة إجرائية مشروعة تبرر التضحية بحق التقاضي ؛ وهنا لا يعني ذلك إلغاء دور الشكل، وإنما إخضاعه لوظيفته القانونية، بحيث لا يتحول إلى غاية مستقلة عن الحق الذي وُضع لحمايته.

مصطفى المنوزي

محامٍ بهيئة الدار البيضاء

رئيس أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى