سياسة

تحالف اليسار والعدالة والتتمية

فؤاد زروال / مدير النشر

رحم الله سقراط حين كان يحاور جورجياس؛ فقد كان يبتغي الحقيقة وليس الخطابة حتى لا نقول لغو الحديث.

لقد فتح “فوز” تحالف اليسار الصغير نقاشا كبيرا، وهو من ثمرات هذا النجاح، إلا أنه للأمانة وجب الاعتراف -ولو أن البعض يعتبره مأخذا- أن اليسار تكاد لا تنقطع ندواته وحلقاته، وإن اعتبرها البعض نخبوية. وفي صلب هذا النقاش كان يحضر دائما:

• أزمة توحيد اليسار.

• كيفية بعث الروح في القطاعات الموازية (الشباب، النساء، الطلبة).

• مسألة التحالفات.

أولا: إذا استثنينا تجربة “الكتلة الديمقراطية” التي تأسست عام 1992 -على اعتبار وجود حزب الاستقلال المحافظ من بين المؤسسين إلى جانب منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب التقدم والاشتراكية- فقد كان – للكتلة- دور بارز في إطلاق دينامية سياسية حقيقية، وقدمت مذكرات حول الإصلاحات الدستورية والسياسية. وهذه الدينامية هي التي أسفرت عن تجربة التناوب التي قادها عبد الرحمان اليوسفي، قبل أن تدخل الكتلة بعدها في حالة موت سريري.

ولأن هاجس الوحدة وإعادة البناء كان دائما يراود اليساريين، أطلقت منظمة العمل الديمقراطي الشعبي منذ سنة 2000 حوارا ضم إلى جانبها: حركة الديمقراطيين المستقلين، حركة من أجل الديمقراطية، والفعاليات اليسارية المستقلة -وليس هنا مجال الحديث عن النتائج العكسية والنيات- ليتوج هذا المسار بمؤتمر تأسيسي سنة 2002 أفرز “حزب اليسار الاشتراكي الموحد”. وطبعا، يسبق كل هذا -ويعقبه أيضا- نقاش عميق عن المثبطات الذاتية والموضوعية التي تحول دون توحيد اليسار؛ وإن كانت “الأنا” حاضرة في بعض المحطات، فقد قابلتها طوباوية مفرطة في الجانب الآخر أدت هي الأخرى إلى نتائج عكسية.

ودون استخلاص الدروس والعبر من هذه التجربة، ودون قراءة نقدية عميقة، جرت محاولة تجميع أخرى سنة 2005 مع المنشقين عن حزب الاتحاد الاشتراكي بزعامة محمد الساسي، ثم مرحلة تجميع أخرى بين “الاشتراكي الموحد”، و”حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي”، و”المؤتمر الوطني الاتحادي”. وهنا أيضا تجدد السؤال: هل نضجت الشروط لاندماج كلي أم ننتظر ما بعد الانتخابات؟ أليست كل هذه التجارب، على الأقل منذ الألفية الثانية، محاولات صادقة لتجميع اليسار وإن تركت جراحا وآلاما؟ ونتساءل ماذا قدم اليسار لتجاوز التشرذم، وأن تاريخ اليسار هو تاريخ الانشقاقات؟

وعلاقة بالجانب الموضوعي -وهو من النقاط التي تُثار ويصاحبها اعتراف محتشم يغلف أحيانا بتباكي اليسار- كيف نعترف أننا لم نصل بعد إلى الديمقراطية، وأن وزارة الداخلية تشرف على الانتخابات، وأن هذه الانتخابات لم تكن في أي محطة نزيهة بل استعملت فيها كل الوسائل المتاحة والمحرمة بما فيها مال المخدرات، ثم نطلب من تحالف اليسار “بلح الشام”؟ بل إن الحقيقة والمصداقية تتطلبان أن ينصب النقاش حول كيفية تكاتف الجهود للوصول إلى الدولة الديمقراطية، والمساهمة في محطات الحراكات الاحتجاجية المجتمعية بمختلف ملفاتها ومطالبها، والتي نجد في قلبها، ورافدها تحالف اليسار. وما يدل على هذا التواجد أن أغلبية أصوات تحالف اليسار كانت بالمدن، وإن اعتبرت هذه النقطة أيضا من المآخذ عليه لعدم تواجده بالقرى والمداشر. قد يكون هذا الدفع سليماً وحافزاً للمراجعة، لكن ببرهان الخلف يمكننا أن نتساءل: هل الأحزاب التي فازت بمقاعدها في البوادي حاضرة فعلا كأحزاب بمرجعياتها الأيديولوجية أم بمنطق العصبية القبلية؟ وما الذي حققته هذه الأحزاب طيلة انتصاراتها الانتخابية سوى تكريس الهجرة القروية نحو المدن؟

ثانيا: مسألة أخرى جوهرية، وهي اندثار القطاعات الموازية لأحزاب اليسار (الشباب، النساء، والقطاع الطلابي)، والتي وجب الاعتراف بأن الشلل أصابها جراء الانشقاقات التي تعقب محاولات التجميع. فقد كانت هناك شبيبات حِزبية قوية، حاولت هي الأخرى توحيد قواها فيما سمي بـ (اتحاد الشبيبات الديمقراطية – ليتشدو)، وكانت في صلب النقاش السياسي، بل إن الكثير من أطرها غدّت المكاتب السياسية، لكن أصابها الوهن وضعفت حد الموت بهياكل منخورة.

وكذلك الشأن بالنسبة للقطاع النسائي؛ إذ كانت هناك نساء قائدات للحركة النسائية وقامات فكرية فرضن أنفسهن في مختلف مراكز القيادة الحزبية دون الحاجة لـ”كوطا” نسائية أو منّة حِزبية. ولا زلت أتذكر الكثير منهن: المرحومة سامية، حورية الحوات، عائشة الخماس، لطيفة الجبابدي، أبناو واللائحة طويلة، لكن هذا المد النسائي الجميل انحسر بالفعل. وكذلك يعرف القطاع الطلابي انحساراً فظيعا، لكن دائماً ببرهان الخلف: هل الأحزاب التي حصلت على المراتب المتقدمة في الانتخابات على مر التجارب المغربية تملك شبيبات حِزبية حقيقية بالوجود والحضور، وليس مجرد تسمية على الورق؟

ثالثا: مسألة أخيرة أسالت الكثير من المداد واللغط ولا نعرف الغاية منها، وهي مسألة التحالف أو التنسيق بين تحالف اليسار وحزب العدالة والتنمية، بدعوى “مصلحة المواطن”. لقد كان الجواب واضحا في مناسبات عديدة، سواء من قبل جمال العسري الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، أو عبد السلام العزيز الأمين العام لفيدرالية اليسار الديمقراطي؛ إذ أكدا أنه لا يمكن لمجرد أن العدالة والتنمية طرح نقطة ما أو عارضها بالبرلمان، أن يكون تحالف اليسار في الجهة المقابلة. بل قالا صراحة إنه يمكن التصويت على أي مقترح يخدم مصلحة المواطن، وهذا لا يحتاج إلى أي تنسيق قبلي مع العدالة والتنمية، لأن مصلحة المواطن فوق أي اعتبار.

هذا من ناحية الشكل، أما من حيث المضمون، فيجب ألا يغيب عن أذهاننا أن حزب العدالة والتنمية قضى ولايتين حكوميتين وبأغلبية مريحة، فأين كان من مصلحة المواطن حينها؟ بل اتخذت قرارات عديدة مجحفة في حق الشعب المغربي. فكيف يظل هذا الماضي عالقا بذمة الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، ولا يبقى عالقا في ذمة العدالة والتنمية؟ هناك من قال إن تحالف اليسار يريد الحفاظ على طهرانيته -وإن كان- بل هو الحفاظ على التميز والتمايز والمبدئية التي طبعت مسيرته، ولم لايستعمل تحالف اليسار الأيديولوجيا كما تستغلها الحركات الإسلامية، سواء حزب العدالة والتنمية أو جماعة العدل والإحسان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى