سياسة

من الوطنية الأداتية إلى التفاوضية: نحو مقاربة توقعية لصناعة المشترك

الأنوار 24/ مصطفى المنوزي

أثارت بعض القراءات المستلهمة من كتاب إريك فروم الخوف من الحرية نقاشاً مهماً حول التحولات التي تعرفها النخب والمجتمعات في أزمنة الأزمات وعدم اليقين. فقد بدا للبعض أن تنامي الخطاب الوطني، أو الالتفاف حول الدولة ومؤسساتها، ليس سوى تعبير عن حاجة نفسية إلى الأمان في مواجهة القلق الاجتماعي والاقتصادي، وأن ما يمكن تسميته بـ”الوطنية الأداتية” لا يعدو أن يكون شكلاً من أشكال التكيف مع شروط الواقع أو البحث عن الحماية داخل فضاء يزداد تعقيداً.

غير أن التفكير النقدي التوقعي يدعونا إلى تجاوز ثنائية التمجيد أو الإدانة، والانتقال من سؤال النوايا إلى سؤال الوظائف والمآلات. فليست كل أداتية مرادفة للانتهازية، كما أن ليست كل وطنية تعبيراً عن امتثال أو خوف. ذلك أن المجتمعات، خصوصاً في لحظات التحول، تحتاج إلى موارد رمزية مشتركة تمكنها من الحفاظ على حد أدنى من التماسك والثقة المتبادلة وقدرة الفعل الجماعي. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الوطنية بوصفها وظيفة اجتماعية وسياسية تؤدي أدواراً ضرورية في تدبير المخاطر الجماعية، وصيانة الاستمرارية التاريخية، وحماية المجال المشترك من التفكك. فهي ليست مجرد عاطفة وجدانية أو ولاء مجرد، بل أداة مدنية تساعد المجتمع على مواجهة التحديات الخارجية والداخلية على حد سواء.

لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول الوطنية من أداة لبناء المشترك إلى معيار وحيد لقياس الشرعية، أو عندما تصبح بديلاً عن النقاش العمومي والتعددية والمساءلة. هنا تظهر حدود المقاربة الأداتية إذا لم تكن مؤطرة بمنظور أوسع قادر على استيعاب التعدد والتنازع وإدارتهما بشكل منتج. وفي هذا المستوى تبرز أهمية مفهوم التفاوضية باعتباره أفقاً يتجاوز الوطنية الأداتية دون أن ينفيها أو يعاديها. فالتفاوضية لا تنطلق من فرضية الانسجام الكامل بين الفاعلين، ولا من وهم الإجماع الدائم، بل من الاعتراف بأن المجتمع يتكون من مصالح متباينة، وذاكرات متعددة، وسرديات متنافسة، وحساسيات فكرية وثقافية مختلفة.

من هنا ، فإن التفاوضية لا تسعى إلى إلغاء الاختلاف، بل إلى تنظيمه. ولا تهدف إلى إنهاء التنازع، بل إلى تحويله من مصدر للقطيعة إلى فرصة لإنتاج قواعد مشتركة للعيش المشترك.

ومن هذه الزاوية تصبح الوطنية أحد موارد التفاوضية وليست بديلًا عنها. فالوطنية توفر الإطار الرمزي للانتماء المشترك، بينما توفر التفاوضية الآليات المدنية والمؤسساتية لتدبير الاختلاف داخل هذا الانتماء. الأولى تمنح الشعور بالمصير المشترك، والثانية تمنح القدرة على إدارة الخلاف حول كيفية بناء هذا المصير.

وفي السياق المغربي، تبدو هذه المقاربة أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالتحديات المطروحة اليوم لا تتعلق فقط بالاستقرار أو التنمية أو الأمن، بل تتعلق أيضاً بكيفية إدارة التعدد الثقافي واللغوي والسياسي، وكيفية التوفيق بين مطالب الذاكرة ومتطلبات المستقبل، وبين رهانات الإصلاح وضرورات الاستمرارية. ولذلك فإن التفكير النقدي التوقعي لا يختزل الوطنية في وظيفة دفاعية، كما لا يختزل الحرية في مجرد معارضة أو احتجاج. إنه يسعى إلى بناء علاقة جديدة بين الانتماء والنقد، وبين الاستقرار والإصلاح، وبين الدولة والمجتمع. لذلك فإن التفاوضية تمثل محاولة للانتقال من منطق الاصطفاف إلى منطق التشارك، ومن منطق الهيمنة السردية إلى منطق التعايش بين السرديات داخل فضاء عمومي مفتوح.

وضمن هذا الأفق، لا تصبح الوطنية نقيضاً للحرية، بل أحد شروط ممارستها داخل مجتمع متماسك. كما لا تصبح التفاوضية نقيضاً للوطنية، بل آلية لترشيدها ومنع تحولها إلى أداة للإقصاء أو الاحتكار الرمزي ؛ لأن المجتمعات التي تنجح في المستقبل ليست بالضرورة تلك التي تلغي خلافاتها، وإنما تلك التي تتقن التفاوض حولها. وليست تلك التي تستغني عن الرموز الجامعة، وإنما تلك التي تجعل من هذه الرموز فضاءات مفتوحة للحوار والتجديد لا أدوات للوصاية والانغلاق.

وعليه، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين الوطنية والتفاوضية، بل في بناء وطنية تفاوضية تجعل من الانتماء المشترك قاعدة لإدارة الاختلاف، ومن التعدد مصدر قوة لا سبباً للانقسام، ومن التفكير النقدي التوقعي منهجاً يربط بين الذاكرة والمسؤولية، وبين الحاضر وإمكانات المستقبل. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى