سياسةمجتمع

مكناس بلا حافلات ومهندس الأزمة يدعي اليوم إنقاذها

الأنوار 24/ عصام عبار

لم تسقط منظومة النقل الحضري بمكناس فجأة، ولم تُباغتنا. لقد كانت تحتضر على مرأى من الجميع، والكلّ يتفرّج: المنتخب، والوصاية، والمتتبّع، والمواطن المنهك في محطة لا تأتيها حافلة. وحين بلغ الانهيار منتهاه، خرج علينا من صنعوا الأزمة ليبشّرونا بقرب «الإصلاح».

هذا ليس انهيارا طارئا، بل تجريف حضري شاهد الجميع قدومه وتجاهلوه ،وهذه عوارضه:

أولاً: أزمة موعودة لا مفاجئة

المدينة بلا مخطط للنقل الحضري، لا في تراب الجماعة، ولا في جماعات العمالة، ولا في الإقليم المجاور (الحاجب). غياب التخطيط لم يكن مقدَراً، بل قرار بالتقاعس استمرّ سنوات.

ثانياً: شغيلة منسيّة

أزمة مستخدمي الشركة، من سائقين وغيرهم، ليست وليدة اليوم. تراكمت في صمت حتى انفجرت، والكلّ كان يسمع ولا يصغي.

ثالثاً: حافلات تسير بمعجزة

الحالة الميكانيكية والتقنية للأسطول جريمة حضرية متكاملة المعالم. أن تُلقى أرواح الناس في عربات منهَكة، فذلك ليس سوء تدبير فحسب، بل استهتار بحياة الساكنة.

رابعاً: دفتر تحمّلات على الورق

احترام دفتر التحمّلات محطّ تساؤل منذ زمن بعيد. أمّا أعداد الحافلات المنصوص عليها فيه، فلا صلة لها بواقع الارتفاق ولا بحاجة مدينة بحجم مكناس.

خامساً: المسؤولية لها اسم ووظيفة

رئيس المجلس هو نفسه النائب المفوّض له تدبير قطاع النقل منذ 2021. أي أنه يعرف تفاصيل التفاصيل، وتقع عليه مسؤولية مباشرة بالأمس كما اليوم. لا مجال هنا للتنصّل ولا للعب دور المنقذ الطارئ.

سادساً: طبول الإنجاز الوهمي

الجميع مرتهن لبرنامج وزارة الداخلية، فيما تتولّى صفحات التطبيل نسبة «قرب الإصلاح» إلى الرئيس ومقرّبيه. يُصنع الفشل بأيدٍ، ثم يُسوَّق بوصفه بطولة.

سابعاً: الأجور المحجوبة كـ«عُرف» مقبول

في نهايات عقود التدبير المفوّض، تحوّل عدم دفع الرواتب إلى بدعة «محمودة» تعوّد عليها المتتبّعون. صار الحرمان من الأجر تقليداً، لا فضيحة.

ثامناً: من يدفع الثمن؟

انعدام النقل الحضري يثقل كاهل الفقراء قبل غيرهم، وحجب الرواتب يحوّل مهنة السائق من مصدر كرامة إلى منفذٍ للعوز والحاجة. الضحية دائماً في الأسفل.

وأخيراً… مفارقة الحلّ

يقال إن الحلّ بيد أهل الحلّ والعقد. والمأساة أن هؤلاء بالذات هم من أنتجوا مشاكل مكناس. فكيف يُرتجى ممن صنع الداء أن يصف الدواء؟

مكناس في أيادٍ تدّعي أنها بخير. والمدينة، في انتظار حافلة لا تأتي، تعرف جيداً من أوقفها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى