سياسةغير مصنف

من تعثرات استقلال القضاء صمود تمثلات تقمص الإدعاء العام في ضوء نظرية التعويض عن الفقد

الأنوار 24/ مصطفى المنوزي

على الرغم من الإصلاحات المؤسساتية والدستورية العميقة التي عرفها المغرب في مجال العدالة وحقوق الإنسان، لا تزال مسألة طي صفحة الماضي عالقة، إذ لم تستوفِ شروطها الموضوعية بعد. فبعد نضال طويل خاضته الفعاليات الوطنية والديمقراطية (سياسياً، حقوقياً، ومهنياً) من أجل استقلال القضاء عن سلطات التنفيذ والتشريع والإعلام والمال، باعتبار ذلك ركيزة أساسية لدولة القانون، جاء دستور 2011 ليُعزز هذه المكتسبات، وخصوصاً استقلال النيابة العامة، في محطة مفصلية أعادت هندسة العلاقة بين السلط وفق منطق الفصل والتوازن.

إلا أن الإصلاحات المؤسساتية، رغم قيمتها، تظل ناقصة إذا لم تترافق مع مراجعة جذرية للتمثلات والثقافات الإدارية والسياسية المتوارثة عن مراحل سابقة، إذ لا تزال ممارسات الماضي تقاوم منطق التحديث، وكأن العقلية السلطوية التقليدية لم تستوعب بعدُ روح التحول الدستوري. وهنا يبرز الشعور بـ”الغصة” لدى العديد من الفاعلين الديمقراطيين والحقوقيين، كلما بدت بعض المؤسسات وكأنها تسعى إلى تجاوز اختصاصاتها أو استعادة أدوار لم تعد متلائمة مع الدولة الدستورية الحديثة.

ولهذا ومن منظور سوسيو-سيكولوجي، يمكن قراءة هذه الدينامية في ضوء نظرية التعويض عن الفقد، التي تفيد بأن الفاعلين المؤسساتيين، عندما يفقدون نفوذاً أو صلاحيات كانت مركزية في منظومتهم، يميلون إلى تعويض هذا الفقد بسلوكيات بديلة، تتراوح بين إعادة تعريف أدوارهم، ومحاولة التأثير بطرق غير مباشرة، أو حتى العودة إلى أنماط قديمة من التدبير تحت مسميات جديدة.

وهكذا يُطرح التساؤل حول طبيعة التوجهات التشريعية الراهنة: هل هي مجرد تطوير تقني للمنظومة القانونية، أم أنها محاولة لإعادة ضبط المجال القضائي عبر التحكم في مفاصل التشريع، وبالتالي إعادة توزيع موازين القوة داخل منظومة العدالة؟ وهذا يهدد التكامل بين الأمن القانوني والأمن القضائي، حيث يتحقق الأخير ليس فقط باستقرار المؤسسات، بل بوجود قاعدة قانونية واضحة ومستقرة وقابلة للتوقع، وهو ما يتآكل حين تُختزل فعالية الضمانات، مما يفتح الباب أمام التأويلات الانتقائية ويؤثر في الثقة العامة.

وفي هذا السياق، يلاحظ بعض المتابعين أن وزارة العدل تبدو وكأنها لم تتصالح مع فقدانها لسلطة النيابة العامة، وكأن جزءً من العقل الإداري والأمني الذي تشكل حول مركزية الادعاء العام، لا يزال يبحث عن منافذ جديدة للتأثير، متصرفةً بمنطق “الفضالة” أو الوكالة دون تكليف، في محاولة لملء فراغ لم يعد قائماً في البناء الدستوري الجديد. وهذا السلوك يمكن فهمه، من زاوية نظرية التعويض، كرد فعل نفسي-مؤسساتي تجاه فقدان دور مركزي، يُترجم إلى محاولات غير مباشرة لاستعادة النفوذ.

وإن ما عرفته فترات الاستثناء من عودة بعض السلوكيات القديمة، يؤكد أن الانتقال الديمقراطي ليس نقلة في النصوص فحسب، بل في العقليات أيضاً، فالتقاليد السلطوية لا تختفي بمجرد صدور القوانين، بل تستمر عبر العادات المؤسسية وتمثلات الفاعلين، في مشهد يعكس صراعاً أعمق بين سردية دستورية إصلاحية تسعى لتكريس الاستقلال والأمن القانوني، وسردية ضابطة تميل إلى إعادة التركيز باسم النجاعة أو الاستقرار.

من هنا ، فإن الرهان الحقيقي، في ضوء نظرية التعويض، لا يتمثل في استعادة مواقع نفوذ فقدتها بعض المؤسسات، بل في استكمال الانتقال نحو دولة تجعل من استقلال القضاء والأمن القانوني والأمن القضائي منظومة متكاملة. ولذلك يبقى السؤال معلقاً: هل ما نعيشه هو صعوبات طبيعية تصاحب أي إصلاح، أم هو مقاومة صامتة لتحولات لم تستوعبها بعد بعض البنيات الذهنية والإدارية، التي تحاول تعويض فقدانها بطرق تبدو تقنية لكنها تحمل في جوهرها نزعة استعادة السيطرة؟ فالتاريخ يعلمنا أن النصوص قد تتغير بسرعة، لكن التمثلات تحتاج إلى زمن أطول، وكما يقول المثل الشعبي: “يموت الزمار وتظل أصابعه تتراقص”؛ لأن ما يستمر بعد الأشخاص ليس سلطتهم، بل العادات التي ألفتها المؤسسات، والثقافات التي لم تحسم بعد مع ماضيها. وفي هذا المعنى، فإن استكمال العدالة الانتقالية لا يقاس فقط بإصلاح القوانين، بل بمدى تحرر الدولة والمجتمع من إرث الوصاية، وترسيخ ثقافة دستورية تجعل من استقلال العدالة قيمة مؤسِّسة، لا مجرد شعار إصلاحي ينسينا أصولنا الحقوقية وموقع كل واحد الدستوري أو الرمزي التاريخي حتى! 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى