هل يحصّن قرار المحكمة الدستورية القانون من الدفع بعدم دستوريته؟

الأنوار 24/ مصطفى المنوزي
يثير المقال – الذي صاغه الزميل محمد أغناج * ، والذي انتهى إلى تفضيل آلية الدفع بعدم الدستورية المنصوص عليها في الفصل 133 من الدستور على الإحالة القبلية المنصوص عليها في الفصل 132- نقاشًا دستوريًا بالغ الأهمية، لأنه لا يكتفي بالمقارنة بين آليتي الرقابة، بل يدافع عن فكرة مفادها أن الرقابة البعدية تكون، في بعض الحالات، أكثر خصوبة من الناحية الحجاجية، لارتباطها بوقائع تطبيقية تكشف بصورة أوضح أوجه المساس بالحقوق والحريات الدستورية ، ولا شك أن هذه الأطروحة تستند إلى اعتبارات وجيهة، خاصة فيما يتعلق بإمكانية بناء الدفع انطلاقًا من نزاع حقيقي، وإبراز الأثر الفعلي للنص القانوني على المراكز القانونية للأشخاص، بدل الاقتصار على رقابة مجردة سابقة على التنفيذ.
غير أن هذا التحليل يثير، في المقابل، سؤالًا دستوريًا لا يقل أهمية، وربما كان أولى بأن يحتل مركز النقاش، وهو: إذا أحيل مشروع القانون على المحكمة الدستورية قبل صدوره، وصرحت المحكمة بمطابقته للدستور، فهل يظل باب الدفع بعدم دستورية بعض مقتضياته مفتوحًا بعد دخوله حيز التنفيذ، أم أن قرار المطابقة يحصن النص من أي رقابة لاحقة؟
إن هذا السؤال لا يتعلق بالمفاضلة بين الرقابة القبلية والرقابة البعدية فحسب، بل يمس حدود حجية قرارات المحكمة الدستورية ذاتها ؛ فمن الثابت أن القرار الصادر في إطار الفصل 132 يتمتع بحجية دستورية ملزمة، غير أن هذه الحجية لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها حصانة مطلقة تحول دون ممارسة الاختصاص الذي خوله الفصل 133 للمحكمة الدستورية في إطار الدفع بعدم الدستورية.
ويرجع ذلك إلى أن الرقابتين تختلفان في موضوعهما ووظيفتهما؛ فالرقابة القبلية تمارس على نص مجرد قبل دخوله حيز التنفيذ، أما الرقابة البعدية فتثار بمناسبة نزاع قضائي يكون فيه النص واجب التطبيق، ويدعي أحد أطراف الخصومة أن هذا التطبيق يمس بحق أو بحرية يضمنها الدستور، وفق الشروط والإجراءات التي يحددها القانون التنظيمي.
ومن هنا، فإن مناقشة مشروع قانون المحاماة لا ينبغي أن توحي بأن كل محام أو هيئة مهنية يستطيعان، بمجرد صدور القانون، إثارة الدفع بعدم الدستورية. فالدفع ( كما هو الشأن بالنسبة لفحص شرعية القرار الإداري في إطار المادة 44 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية ) ليس دعوى مجردة، وإنما وسيلة دفاع تثار داخل نزاع قضائي قائم ( ملف مفتوح وجار) ، ومن طرف من له الصفة والمصلحة، متى كان النص المطعون فيه واجب التطبيق في ذلك النزاع.
ومن جهة أخرى، فإن بناء الدفع الدستوري لا ينبغي أن يقتصر على الفصل 23 من الدستور، لأن هذا الفصل يتعلق أساسًا بضمانات الحرية الشخصية والاعتقال والمحاكمة، بينما تستند حماية استقلال الدفاع والمحاكمة العادلة إلى منظومة دستورية أوسع، تشمل الفصل 120 المتعلق بضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع، والفصل 118 بشأن حق التقاضي، والفصل 6 المتعلق بسمو الدستور ومبدأ المشروعية، والفصل 71 المتعلق بالمجال التشريعي في الحقوق والحريات، فضلًا عن المبادئ الواردة في تصدير الدستور، وما يحيل إليه من التزام بملاءمة التشريع الوطني مع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب.
ولعل التجربة المقارنة تقدم هنا عنصرًا بالغ الأهمية في إثراء النقاش. ففي فرنسا، وبعد الإصلاح الدستوري لسنة 2008، أصبح من الممكن إثارة السؤال الأولي حول الدستورية (QPC) حتى بالنسبة إلى نص سبق للمجلس الدستوري أن صرح بمطابقته للدستور، متى طرأ تغير في الظروف القانونية أو الواقعية، أو ظهرت معطيات جديدة تبرر إعادة النظر في دستورية النص عند التطبيق.
ولا يعني ذلك نقل الحل الفرنسي إلى النظام المغربي ** ، وإنما يفيد في إبراز أن الرقابة القبلية لا تؤدي، في الفكر الدستوري المقارن، بالضرورة إلى تحصين النص بصورة مطلقة، وأن الرقابة البعدية تؤدي وظيفة مختلفة، قوامها حماية الحقوق والحريات كما تتجلى في التطبيق العملي.
ومن ثم، فإن النقاش حول مشروع القانون رقم 66.23 لا ينبغي أن يُختزل في تفضيل إحدى الآليتين على الأخرى، وإنما في البحث عن التكامل بينهما. فالإحالة القبلية تظل الوسيلة الأنجع لمنع دخول نص غير دستوري إلى المنظومة القانونية، بينما يشكل الدفع بعدم الدستورية ضمانة لاحقة لمواجهة ما قد يكشفه التطبيق العملي من إخلالات لم تكن ظاهرة عند الرقابة المجردة.
وعلى هذا الأساس، فإن السؤال الذي يستحق أن يظل مفتوحًا في النقاش الدستوري المغربي ليس: أيهما أفضل، الرقابة القبلية أم الرقابة البعدية؟ بل: إلى أي حد تمتد حجية قرار المحكمة الدستورية الصادر في الرقابة القبلية؟ وهل تحول هذه الحجية دون إعادة مساءلة بعض المقتضيات عند التطبيق إذا تبين أنها تمس فعليًا بالحقوق والحريات الدستورية؟
يتبع
مصطفى المنوزي
* محام بهيئة الدارالبيضاء وعضو سابق بمجلسها .
** ملحوظة :
القانون التنظيمي المغربي رقم 86.15 والاجتهاد الدستوري المغربي لم يحسما صراحة هذه المسألة. لذا يكون الأدق القول إن التجربة الفرنسية تقدم نموذجًا مقارنًا يُظهر أن حجية قرار المطابقة ليست بالضرورة حصانة مطلقة، وإنما قد تكون حجية نسبية وفق شروط يحددها القانون الدستوري لكل دولة. وهذا يجعل الاستدلال أكثر دقة وأقوى من الناحية الأكاديمية.



