في نقد السياسات العامة أو رسالة إلى الجغرافيا السياسية للعقل الأمني

الأنوار 24/ مصطفى المنوزي
إن أي عقل أمني مهما كان منسوب نزاهته ؛ لا يتحرك في فراغ، بل ينتج – سياسيا – جغرافيته الخاصة؛ جغرافية تتوزع فيها الثقة والشك، المركز والهامش، القرب والبعد، الشرعية والارتياب. ومن ثم فإن نقد السياسات العامة لا يكتمل عند حدود تقييم النجاعة أو الفعالية، بل يمتد إلى مساءلة الكيفية التي تُبنى بها تمثلات الأمن ذاتها، وكيف تتحول بعض السرديات إلى حقائق مؤسسية، وبعض المخاوف إلى سياسات عمومية، وبعض الاستثناءات إلى قواعد مستقرة.
لذلك فإن المقاربة الحالية بمثابة رسالة إلى العقل الأمني بنفس القدر الذي هي دعوة إلى تحريره من أسر المقاربات الاختزالية التي ترى المجتمع مصدرًا دائمًا للمخاطر، أو تعتبر الاختلاف تهديدًا، أو تختزل الاستقرار في الضبط وحده. فالأمن المستدام لا ينتج فقط من تراكم وسائل المراقبة والتحكم، وإنما من بناء الثقة، وترسيخ العدالة، وضمان الكرامة، وتوسيع فضاءات المشاركة العمومية
من هنا وجب التأكيد على أنه ليس خافيًا أن تأطير المعركة المهنية للمحاماة يظل ناقصًا ما لم يُوضع في سياقه السياسي والحقوقي الشامل، حيث تظل العلاقة بين السلطة والإصلاح محكومة بتوترين متلازمين: منطق التكيف الذي يكرس الواقع، ومنطق التحول الذي يستشرف التغيير. والمحاماة، بوصفها وسيطة مؤسساتية لحماية الحقوق والحريات، تجد نفسها اليوم أمام مرحلة لا تحتمل التردد، عنوانها الأصدق: “مآل مهنة المحاماة بين الاغتيال الرمزي وخطاب الإصلاح”.
ففي نظامنا السياسي الذي يميل إلى التكيف أكثر مما ينزع إلى التحول، تظل مبادئ فصل السلط واستقلالها هشّة، عصيّة على التفعيل الجذري. وإذ نقرّ بأن المقدمات لا تنتج سوى نتائجها، فإننا ندرك أن النجاح في مطلب جزئي أو معركة ظرفية ليس انتصارًا. فالانتصار الحقيقي يقتضي تغييرًا في قواعد اللعبة ذاتها، وفي شروط إنتاج القرار العمومي. ومن ثم، لم تكن مآلات المبادرات التشريعية الأخيرة مفاجئة، بل جاءت منسجمة مع منطق مؤسساتي مألوف: إجهاز واسع على المكتسبات، تليه هوامش تفاوض محدودة لامتصاص الاحتقان، وإعادة إنتاج القبول بالأمر الواقع.
وهكذا، تتجدد آليات التليين والتهذيب السياسي، التي لا تعني مراجعة جوهر الاختيارات، بل تدبير آثارها وتخفيف كلفتها. والساحة تتأرجح بين التشدد والتخفيف، بين الضغط والتهدئة، بينما يظل الاتجاه العام ثابتًا في أهدافه الكبرى.
في النقد الذاتي والمراجعة الداخلية:
لكن الإشكال الأعمق لا يقع خارجنا فقط، بل فينا أيضًا. فنحن، في تعبيراتنا المهنية والمدنية، اعتدنا الاشتغال بردود الفعل أكثر من الفعل الاستباقي. وإن تداخل الانتماءات والولاءات داخل الجسم المهني كثيرًا ما يشتت البوصلة، ويُضعف القدرة على بناء ملامح استراتيجية جماعية متماسكة. وما قد يُقرأ تناقضًا أو تواطؤًا، قد يكون في كثير من الأحيان انعكاسًا لتوزيع أدوار تفرضه موازين القوى وتعقيدات المجال. لكن حين تكون الصدمة قوية، وحين يصطدم الفاعلون بوقائع غير متوقعة في حجمها أو سرعتها، يتحول الارتباك إلى عجز، وقد يصل إلى شلل فكري وتنظيمي، يسمح بمرور التحولات الأكثر تأثيرًا بأقل مقاومة.
في التعبئة وإعادة بناء السردية:
وهنا يبرز السؤال المركزي: كيف نواجه هذا الاغتيال الرمزي المتدرج للمحاماة، تحت عنوان الإصلاح والتحديث؟
الجواب ليس في ردود فعل ظرفية، ولا في تفاوض تقني جزئي، بل في إعادة بناء سردية مهنية ووطنية جديدة، تجعل من استقلال المحاماة جزءًا من استقلال العدالة، ومن استقلال العدالة جزءًا من الأمن القانوني والقضائي للمجتمع والدولة معًا. القضية ليست امتيازات فئوية، بل وظيفة دستورية ومدنية، تؤديها المحاماة كضمان أساسي للحق في الدفاع، وللتوازن بين السلطة والحرية. ولذلك فإن الدفاع عن المحاماة هو دفاع عن دولة القانون، وعن حق المجتمع في وسائط مستقلة قادرة على مساءلة السلطة ومراقبة استعمالها للقوة.
ومن ثم، فلننتقل من رد الفعل إلى الفعل التوقعي، ومن مقاومة الإجراءات المعزولة إلى مساءلة الفلسفة التي تنتجها، ومن الدفاع عن المصالح الضيقة إلى بناء جبهة مدنية وحقوقية أوسع، تربط بين إصلاح العدالة وحماية الحريات، وتضمن انتقالًا مؤسساتيًا سلسًا في مواجهة كل نزعات الإقصاء والهيمنة.
فالمهن الحرة القوية، وفي مقدمتها المحاماة، ليست عبئًا على الدولة، بل شرط لقوتها وتوازنها واستدامتها. وإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بإضعاف الضمانات، بل بتقويتها، ولا يتحقق بإخضاع الوسائط المستقلة، بل بتمكينها من أداء وظائفها كاملة في خدمة القانون والعدالة والمصلحة العامة.
فلنكن أداة التغيير، لا ضحيته. ولنصنع النصر المهني / الدستوري ، لا أن نكتفي بالنجاح الفئوي / الإنتخابي العابر



