رياضة

عقدة التعالي المصري: قراءة في الجذور التاريخية وتمثلاتها المعاصرة

الأنوار 24/عبد العزيز بن صالح 

تحتل مصر موقعا فريدا في التاريخ الإنساني وفي تشكّل المجال السياسي للشرق الأوسط. فثقلها الديمغرافي، وعمقها الحضاري، ودورها الثقافي في القرن العشرين، جعل منها فاعلا مركزيا لا يمكن إنكاره. غير أن الإشكال لا يكمن في هذا الثقل الموضوعي، بل في كيفية وعي الدولة والمجتمع المصريين به، وفي تحوّل هذا الوعي، عبر الزمن، إلى ما يمكن تسميته بـ عقدة الزعامة التاريخية.

منذ منتصف القرن العشرين، خصوصا مع صعود المشروع الناصري، تشكّل خطاب سياسي-ثقافي يقوم على مركزية مصر العربية. هذا الخطاب لم يُبنَ فقط على عناصر القوة الواقعية، بل على سردية رمزية ترى في مصر “قلب العروبة” و”عقلها” و”ضميرها”. ومع الزمن، تحوّل هذا التصور من مشروع تحرري مرحلي إلى بنية ذهنية ثابتة، عصيّة على المراجعة، حتى بعد تغيّر الشروط التاريخية التي أنتجتها.

في إطار هذه البنية، تم تمثيل باقي الدول العربية وفق منطق هرمي:

دول الخليج كهوامش بلا تاريخ سياسي،

دول المغرب العربي كامتدادات جغرافية قابلة للاستلحاق الأيديولوجي،

وباقي المشرق كساحات نفوذ أو صراع بالوكالة.

هذا التمثيل لم يكن بريئا، بل عبّر عن عقل إمبراطوري رمزي، يرى في الجغرافيا العربية مجالا حيويا للمركز القاهري، لا فضاء لتكامل متكافئ.

غير أن التاريخ، بخلاف الأيديولوجيا، لا يتوقف. فابتداء من سبعينيات القرن الماضي، بدأت موازين القوة العربية في التحول:

دول الخليج راكمت الثروة والنفوذ والقدرة على التأثير المالي والسياسي.

دول المغرب العربي بنت مسارات دولة-أمة مستقلة، متحررة نسبيا من الوصاية الإيديولوجية القادمة من المشرق.

فيما دخلت مصر نفسها في مسار انكفاء داخلي اقتصاديا وسياسيا، ازداد عمقا مع الزمن.

المفارقة المركزية هنا أن الخطاب لم يتغير رغم تغيّر الواقع. فقد استمرت النخبة السياسية والإعلامية المصرية في إنتاج خطاب الزعامة، في وقت أصبحت فيه مصر، موضوعيا، في موقع التابع اقتصاديا للدعم الخارجي، خصوصا الخليجي. هذا التناقض بين الخطاب والممارسة أنتج حالة من الإنكار الجماعي، تُترجم غالبا في شكل تعالٍ رمزي، أو حساسية مفرطة تجاه أي نموذج عربي ناجح خارج المركز التقليدي.

من هذا المنظور، يمكن فهم الصدمة النفسية التي أحدثها بروز نماذج تنموية أو مؤسساتية في دول مثل المغرب. فالمسألة لا تتعلق بالمقارنة الاقتصادية فقط، بل بانهيار صورة ذهنية قديمة ترى في “الآخر العربي” كائنا متأخرا ينتظر الإرشاد. وحين يفشل الواقع في تأكيد هذه الصورة، يتحول الخطاب إلى دفاعي، أو هجومي، أو اتهامي.

ما نلاحظه اليوم هو أن جزءا معتبرا من الخطاب المصري، الرسمي والشعبي، لا يزال أسير ذاكرة ناصرية غير مفككة، أي ذاكرة لم تُخضع للنقد التاريخي، ولم تُراجع في ضوء التحولات البنيوية التي عرفها النظام الإقليمي العربي. وبدل الانتقال من منطق الزعامة إلى منطق الشراكة، يتم استدعاء الماضي كآلية تعويض نفسي عن تراجع الحاضر.

إن الإشكال، في جوهره، ليس مصريا فقط، بل هو إشكال الدولة المركزية السابقة التي لم تستوعب فقدان موقعها الاحتكاري. غير أن خطورة الحالة المصرية تكمن في أنها لا تزال تعيش هذا الفقدان باعتباره مؤامرة خارجية، لا نتيجة منطقية لتحولات تاريخية.

التحرر الحقيقي لمصر لا يمر عبر استعادة أوهام الزعامة، بل عبر تفكيك عقدتها:

تفكيك خطاب الوصاية،

تفكيك النرجسية الحضارية،

والانتقال من استحضار التاريخ كشرعية جاهزة، إلى بناء الحاضر كشرط لاحترام الآخرين.

فالعالم العربي لم يعد عالم الخمسينيات،

والأب لم يعد وصيا،

والعيال… كبروا فعلًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى