سياسة

الانتقال السياسي المؤجل : بين استحقاقات الانتخابات ورهانات الاستمرارية المؤسساتية

الأنوار 24/ مصطفى المنوزي

بغض النظر عن ضرورة تشخيص الوضعية التنظيمية للحركة التقدمية بمختلف مكوناتها اليسارية، وتقييم اختياراتها التكتيكية وما يُعرف بالخط السياسي المرحلي، فضلًا عن مساءلة رهاناتها الاستراتيجية المرتبطة بقضايا السلطة والاقتصاد وصناعة القرار، فإن الاستحقاقات التشريعية المقبلة لا ينبغي أن تحجب عن الفاعلين السياسيين والمدنيين أهمية التفكير في سؤال أعمق وأكثر استراتيجية: سؤال الانتقال السياسي في المغرب، وشروط تدبيره، ومستلزمات نجاحه، وآفاقه الممكنة.

فإذا كانت الانتخابات تمثل محطة أساسية في الحياة الديمقراطية، فإنها ليست سوى جزء من دينامية سياسية ومؤسساتية أشمل تتعلق بقدرة الدولة والمجتمع معًا على إنتاج شروط الاستمرارية والاستقرار والتجديد. ومن ثم فإن السؤال المركزي لا يكمن فقط في معرفة من سيفوز في الانتخابات أو من سيقود الأغلبية الحكومية المقبلة، بل في معرفة ما الذي أعدته الأحزاب السياسية، والنخب المدنية، والمؤسسات الوسيطة، لمواكبة استحقاقات المرحلة المقبلة وما قد تحمله من تحولات.

وتزداد أهمية هذا السؤال بالنظر إلى أن شروط المرحلة الراهنة تختلف بصورة جوهرية عن السياقات التي أفرزت تجربة التناوب التوافقي في نهاية تسعينيات القرن الماضي. فذلك الانتقال كان ثمرة تراكمات تاريخية وسياسية طويلة، ونتيجة توازنات داخلية وخارجية خاصة، كما أنه استهلك جزءًا مهمًا من الرصيد الرمزي والسياسي للحركة الوطنية والديمقراطية. أما اليوم، فإن المشهد الحزبي يبدو أكثر هشاشة، والوسائط السياسية والاجتماعية أقل قدرة على التعبئة والتأطير، فيما يعرف منسوب الثقة في المؤسسات التمثيلية وفي الفاعلين السياسيين تذبذبًا ملحوظًا.

وفي ظل هذه الوضعية، يبدو أن الدولة نفسها وجدت، في أكثر من مناسبة، نفسها مدفوعة إلى البحث عن صيغ لضمان الاستقرار والاستمرارية خارج الأشكال التقليدية للوساطة السياسية، سواء عبر توسيع أدوار المؤسسات التقنية والحكامية، أو من خلال الرهان على نخب جديدة، أو عبر تعزيز المقاربات الأمنية والتدبيرية في مواجهة أعطاب الحقل الحزبي. غير أن هذا التوجه، مهما كانت مبرراته الظرفية، لا يمكن أن يشكل بديلًا دائمًا عن الحاجة إلى إعادة بناء المجال السياسي وتأهيل الفاعلين القادرين على إنتاج الشرعية والثقة والمشاركة.

ومن زاوية التفكير النقدي التوقعي، فإن سؤال الانتقال السياسي لا ينبغي أن يظل حبيس الاعتبارات الانتخابية أو الحسابات الحزبية الضيقة، بل يجب أن يُطرح باعتباره سؤالًا وطنيًا يهم مستقبل الدولة والمجتمع معًا. ذلك أن الانتقالات السياسية الناجحة لا تُقاس فقط بمدى احترام المساطر الدستورية، وإنما أيضًا بمدى جاهزية الفاعلين والمؤسسات والثقافة السياسية لاستيعاب التحولات ومواكبتها في إطار من الاستقرار والثقة والتوافق المدني.

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل بعض المعطيات الموضوعية التي تفرض نفسها على النقاش العمومي المسؤول، دون تهويل أو إثارة أو توظيف سياسي. ومن بين هذه المعطيات ما يرتبط بالوضع الصحي للعاهل المغربي، وهو موضوع لم يكن يومًا محجوبًا بالكامل عن المجال العمومي، بحكم ما صدر بشأنه من معطيات رسمية خلال السنوات الأخيرة. غير أن أهمية هذا المعطى لا تكمن في شخص الملك بقدر ما تكمن في ما يطرحه من أسئلة مرتبطة بالحكامة الاستباقية والاستمرارية المؤسسية.

فالدول الراسخة لا تنتظر وقوع التحولات الكبرى لكي تبدأ التفكير فيها، بل تجعل من الاستعداد لها جزءًا من ثقافتها السياسية والمؤسساتية. لذلك فإن استحضار هذا الموضوع لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تشكيكًا في استقرار المؤسسات أو مساسًا برمزيتها، وإنما باعتباره تعبيرًا عن وعي سياسي يعتبر أن استمرارية الدولة مسؤولية جماعية تتجاوز الأشخاص، مهما كانت مكانتهم وأهميتهم في الوجدان الوطني.

ومن هذه الزاوية تحديدًا، يبرز نوع من المفارقة السياسية؛ فبينما لا تخفي الدولة بعض المعطيات المرتبطة بالوضع الصحي للملك من خلال البلاغات الرسمية، لا يزال النقاش العمومي حول متطلبات الانتقال السلس واستحقاقات المستقبل محاطًا بكثير من التحفظ والحذر، وكأن التفكير في المستقبل المؤسسي للدولة ينبغي أن يظل مؤجلًا إلى حين وقوع الأحداث. والحال أن منطق الحكامة الرشيدة يقتضي العكس تمامًا، أي الانتقال من ثقافة رد الفعل إلى ثقافة التوقع والاستباق.

إن الانتقال السياسي الرشيد لا يبدأ عند وقوع الحدث، بل يبدأ عندما تمتلك الدولة والمجتمع معًا القدرة على تحويل المستقبل إلى موضوع للتفكير العمومي المسؤول، لا إلى مصدر للقلق أو الإشاعة أو المزايدة. وهو ما يقتضي إعادة الاعتبار للأحزاب السياسية، وتقوية الوسائط المدنية، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وفتح نقاش هادئ حول شروط الاستمرارية والتجديد في إطار احترام الدستور وثوابت الدولة ومقتضيات الاستقرار.

لذلك فإن القضية لا تتعلق فقط بانتخابات مقبلة أو بأغلبية حكومية جديدة، بل تتعلق بمدى قدرة المغرب على بناء أفق سياسي يجعل الانتقال، أيًّا كان شكله أو توقيته، لحظةً طبيعية في حياة المؤسسات لا حدثًا استثنائيًا يفرض نفسه على الجميع. فالدول القوية ليست تلك التي تنجح في تدبير الأزمات بعد وقوعها، بل تلك التي تنجح في التفكير فيها قبل وقوعها، وتحويلها من مصدر للمفاجأة إلى فرصة لترسيخ الثقة وتعميق الاستقرار وتجديد التعاقد السياسي بين الدولة والمجتمع.

وهنا يصبح سؤال الانتقال السياسي ليس شأنًا نخبويًا أو مؤسساتيًا ضيقًا، بل سؤالًا عموميًا بامتياز، يندرج ضمن مسؤولية جماعية قوامها اليقظة الديمقراطية، والحكامة الاستباقية، والتفكير النقدي التوقعي الذي يجعل من استشراف المستقبل جزءًا من صناعة الحاضر، لا مجرد انتظار لما قد يأتي به الزمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى