
الأنوار 24/ زروال فؤاد
لم تعد جزيرة “سازان” الألبانية مجرد بقعة أرض صغيرة تبلغ مساحتها 5 كيلومترات مربعة في البحر الأدرياتيكي، بل تحولت فجأة إلى مرآة تعكس الصراع المحتدم بين طموحات الاستثمار الأجنبي ومفهوم السيادة الوطنية. الجزيرة، التي ظلت لعقود محمية بطبيعتها العذراء وبقايا قاعدتها العسكرية السرية من العهد الشيوعي، باتت اليوم في قلب عاصفة سياسية وقانونية تجاوزت حدود ألبانيا لتصل إلى دهاليز السياسة الأمريكية.
ألبانيا “ليست للبيع”: الشارع يتحدى الخصخصة
المظاهرات الحاشدة التي اجتاحت شوارع العاصمة تيرانا تحت شعار “ألبانيا ليست للبيع”، لم تكن مجرد احتجاج عابر على مشروع سياحي، بل هي تعبير عن قلق شعبي عميق من تغلغل رأس المال الأجنبي على حساب المقدرات الوطنية. الهتافات الغاضبة لآلاف المتظاهرين تعكس رفضاً قاطعاً لخصخصة إرث الدولة البيئي والتاريخي لصالح مشروع فندقي فاخر تُقدر قيمته بنحو 1.4 مليار دولار، يراه الكثيرون تهديداً للهوية الجغرافية والسياسية للمنطقة.
“جاريد كوشنر” وظلال واشنطن: الاستثمار بطعم النفوذ السياسي
ما يمنح هذا الملف بعداً سياسياً ثقيل الوزن هو هوية المستثمر الرئيسي؛ فالحديث هنا يجري عن رجل الأعمال الأمريكي “جاريد كوشنر”، صهر الرئيس دونالد ترامب. هذا التداخل بين المال والنفوذ السياسي الدولي يطرح علامات استفهام كبرى حول طبيعة الصفقة. فالرحلة السياحية “العفوية” التي قامت بها إيفانكا ترامب مع زوجها على متن يخت فاخر، سرعان ما تحولت إلى خطة عمل عقارية شرسة لإنشاء آلاف الغرف الفندقية الفخمة، مما يثير الشبهات حول استغلال العلاقات السياسية لفتح أبواب الاستثمار المغلقة، خاصة إذا علمنا أن ريتشارد غرينيل (المهندس السياسي للمشروع) من هو؟ ريتشارد غرينيل هو أحد أقرب المقربين من ترامب، وشغل سابقاً منصب القائم بأعمال مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية، وكان مبعوثاً دبلوماسياً خاصاً لترامب في منطقة البلقان (التي تضم ألبانيا وصربيا).دوره في الصفقة: استغل غرينيل علاقاته السياسية والدبلوماسية الرفيعة التي بناها أثناء عمله الرسمي في البلقان لفتح الأبواب الخلفية لـ “جاريد كوشنر” وتسهيل لقاءاته مع رئيس الوزراء الألباني إيدي راما ورئيس صربيا ألكسندر فوتشيتش لترتيب هذه الصفقات العقارية الضخمة.2
حكومة “راما” والمعارضة: اتهامات بالتبعية وغياب الشفافية
في العمق السياسي الداخلي، وضع هذا المشروع رئيس الوزراء الألباني، إيدي راما، في مرمى نيران المعارضة، التي سارعت إلى اتهامه بتسهيل الإجراءات القانونية وتقديم تنازلات غير مبررة للجانب الأمريكي. وتزداد حدة الانتقادات كون المشروع لا يقتصر على جزيرة “سازان”، بل يمتد إلى شبه جزيرة “زفيرنيس” الاستراتيجية على الساحل المقابل. ويرى مراقبون أن اندفاع الحكومة نحو إقرار المشروع يعكس غياباً تاماً للشفافية، وتجاهلاً صارخاً للتحذيرات البيئية بشأن حماية التنوع البيولوجي وموائل الطيور النادرة مثل الفلامينغو الوردي.
التصعيد الأمني والملاحقة القضائية: شروخ في جدار النظام
المشاهد العنيفة التي شهدتها المنطقة مؤخراً، إثر محاولة المتظاهرين اختراق السياج الشائك والاشتباك مع الأمن الخاص، تؤكد أن الأزمة تجاوزت مرحلة الخلاف السياسي إلى مربع الاحتقان الاجتماعي والأمني. وامام هذا الضغط المتزايد، جاء إعلان النيابة العامة لمكافحة الفساد عن فتح تحقيق موسع في إجراءات منح التراخيص ومصادر تمويل المشروع ليمثل ضربة سياسية قوية، تضع مصداقية النظام الحاكم على المحك : هل تصبح “سازان” جزيرة لـ “ترامب”؟
تواجه ألبانيا اليوم معضلة حقيقية ترتبط بهويتها السياسية؛ فبينما يخشى الشارع والمجتمع المدني من إعادة تسمية الجزيرة بـ “جزيرة ترامب” كرمز للتبعية الاقتصادية والنفوذ العائلي الأجنبي، تصر السلطة على تقديمها كفرصة للنمو. ويبقى السؤال القائم: هل ستنجح المؤسسات الرقابية والقضائية الألبانية في الحفاظ على استقلالية القرار الوطني، أم أن أموال السياسة والاستثمار العابر للقارات ستفرض كلمتها الأخيرة على هدوء جزيرة “سازان” ومستقبلها




