قراءة تحليلية لمشاركة القضاة في التشريع وأثرها على استقلال المحاماة

الأنوار 24/ مصطفى المنوزي
يشكل تداخل القضاة في إعداد التشريعات المتعلقة بالمسطرة المدنية، المسطرة الجنائية، وقانون المحاماة محورًا حساسًا للتأمل في استقلال القضاء واستقلال الدفاع، وفق ما تؤطره مبادئ بنغالور للسلوك القضائي (2006). فمبدأ الحياد، حجر الزاوية في هذه المبادئ، لا يقتصر على الامتناع عن الانحياز الذاتي، بل يفرض أيضًا أن تكون الهيئة القضائية محايدة موضوعيًا وذاتيًا، بما يضمن عدم إثارة أي شك مشروع لدى المتقاضين أو الجمهور في نزاهة القرارات.
وتؤكد الفصل 107 من الدستور المغربي على أن:
“السلطة القضائية مستقلة، والقضاة يخضعون للقانون فقط في ممارسة مهامهم، ويضمن لهم الدستور الحرية والحماية اللازمة لممارسة القضاء دون أي ضغط أو تدخل.”
الممارسة المغربية الأخيرة أظهرت أن التعديلات المقترحة من بعض القضاة الملحقين بوزارة العدل على مشروع قانون المحاماة قد مسّت استقلال المحامين وحيادهم المهني، من خلال توسيع حضور النيابة العامة في مجالس التأديب، وتقليص الضمانات المتعلقة بالحصانة المهنية، بما يتيح للنيابة ممارسة المتابعة المباشرة خلال الجلسة لمجرد “كل ما من شأنه الإخلال بالنظام العام”. هذا التوسع الفضفاض في السلطة التقديرية يضع المحامي تحت ضغط مباشر ويحد من حرية الدفاع، ما يتعارض مع الفصل 23 من الدستور التي تنص على ما مضمونه ان لكل مواطن الحق في الدفاع عن نفسه أمام القضاء، ويكفل القانون استقلالية المحاماة وحماية مهنة المحاماة.
و في هذا السياق، يشير المقرر الخاص للأمم المتحدة حول استقلالية القضاة والمحامين إلى أن أي تدخل أو تأثير على استقلال المحامين يضعف ثقة الجمهور في العدالة ويقوض فعالية القضاء. فحماية المحامين أثناء ممارسة مهامهم الدفاعية ليست رفاهية، بل شرط أساسي للحفاظ على نزاهة المنظومة القضائية، بينما أي تداخل في صياغة النصوص التنظيمية قد يؤدي إلى تضارب وظيفي يثير شبهة الانحياز عند التطبيق.
من هنا، يصبح من الضروري إعادة النظر في دور القضاة المشاركين في وضع التشريعات التي تمس استقلالية المحامين، وبلورة حدود إجرائية دقيقة لتدخل النيابة العامة في مجالس التأديب، بما يضمن:
* الحياد الموضوعي للقضاء، بحيث لا يتعرض القاضي أو المحامي لأي تضارب محتمل بين وضع القاعدة وتطبيقها؛
* استقلال الدفاع وحصانته المهنية، بما يحمي حرية المرافعة وحقوق الأطراف؛
* وضوح المعايير أمام المتقاضين والجمهور، ما يعزز الثقة في العدالة وشرعيتها.
ولضمان هذا التوازن، يمكن استبدال استدعاء القضاة للتشريع بإنشاء هيئة استشارية مستقلة، مثل مجلس الدولة، ليكون الجسر بين الكفاءة القانونية والحكم الديمقراطي. فهذا التوجه يحقق ثلاثة أهداف رئيسية:
* الحفاظ على استقلال القضاء: يظل القضاء مكلّفًا بتطبيق القانون وليس بصياغته، دون أن يتحول إلى سلطة تشريعية بالخبرة، بما يتوافق مع الفصل 107.
* توفير الخبرة القانونية: مجلس الدولة يقدم الدراسات والرأي القانوني والتقني للحكومة أو البرلمان، دون المساس بالوظيفة الدستورية للفصل بين السلطات.
* دعم التشريع الديمقراطي: يظل البرلمان الجهة المخوَّلة لوضع القوانين، مستفيدًا من مشورة الخبراء، فتخرج القوانين تقنية وواقعية، لكنها متجذرة في الرقابة الشعبية والمساءلة السياسية، بما يعزز الفصل بين السلطات المنصوص عليه في المواد 5 و107 من الدستور.
باختصار، تنصيب مجلس الدولة كمؤسسة استشارية مستقلة يحلّ الإشكال العملي دون المساس بالمبدأ الدستوري للفصل بين السلطات، ويضمن عدالة مستقلة وحيادية تحمي الحقوق وتحافظ على ثقة المجتمع في القضاء.
وإن مرجعنا في هذا المنحى هو خطاب الملك أمام قضاء المملكة في أول لقاء تواصلي في العهد المحمدي ، خلال فعاليات افنتاح السنة القضائية بتاريخ 15 دجنبر 1999 ، والذي دعا فيه إلى تأسيس مجلس الدولة كأعلى هيأة قضائية تبت في القرارات القضائية المفتوحة من قبل المواطنين في مواجهة الدولة ومؤسساتها وخاصة في قضايا إلغاء قرارات الدولة المشوبة بالشطط والتجاوز في استعمال السلطة ، وبالموازاة يشكل آطار لتقديم المشورة القانونية للدولة ومؤسساتها .



