سياسة

تحولات التحالفات المغربية: من إرث الفرنكفونية إلى رهانات الأطلسي والأفق الإفريقي

الأنوار 24/ مصطفى المنوزي

الحلقة الأولى: المغرب وتحولات المركزية الغربية

لم تعد التحولات التي تشهدها السياسة الخارجية المغربية في السنوات الأخيرة مجرد إعادة ترتيب ظرفي لشبكة التحالفات، بل تبدو أقرب إلى إعادة تموضع استراتيجي داخل نظام دولي متغير. فالعالم الذي تشكل بعد الحرب الباردة لم يعد يحتفظ بنفس مراكز الثقل التي حكمت العلاقات الدولية لعقود طويلة، كما أن المركزية الغربية نفسها لم تعد كتلة متجانسة بقدر ما أصبحت مجالاً لتنافس داخلي بين قوى ونماذج مختلفة لإدارة النفوذ والشرعية.

داخل هذا السياق المتحول، يجد المغرب نفسه أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن إعادة ترتيب علاقاته داخل الفضاء الغربي دون أن يتحول ذلك إلى مجرد انتقال من تبعية إلى أخرى؟

إرث العلاقة مع فرنسا :

لقد شكلت العلاقة مع فرنسا، منذ الاستقلال، أحد الأعمدة الأساسية في هندسة العلاقات الخارجية للمغرب. فقد تشكلت شبكة معقدة من الروابط الاقتصادية والثقافية والمؤسساتية جعلت من الفضاء الفرنكفوني امتدادًا طبيعياً للنخب الإدارية والاقتصادية المغربية.

غير أن هذه العلاقة لم تكن فقط علاقة تعاون، بل كانت أيضًا محكومة بإرث ما بعد كولونيالي ظل يؤثر في طبيعة التوازن بين الطرفين. فقد احتفظت فرنسا، لفترة طويلة، بقدرة كبيرة على التأثير داخل المجال الاقتصادي والثقافي المغربي، كما لعبت دوراً دبلوماسياً مهماً في قضايا إقليمية تهم المملكة.

لكن التحولات التي شهدها العالم خلال العقدين الأخيرين – من تراجع الوزن النسبي للقوى الأوروبية إلى صعود أدوار جديدة داخل النظام الدولي – جعلت هذا النموذج التقليدي للعلاقة يبدو أقل قدرة على الاستجابة للتحولات الجارية.

صعود الرهان الأطلسي : 

في المقابل، اتجه المغرب تدريجياً إلى تعزيز علاقاته مع الولايات المتحدة، ليس فقط في المجال السياسي والدبلوماسي، بل خصوصاً في مجالات الأمن والدفاع والتعاون الاستراتيجي.

وقد تعزز هذا الاتجاه مع توسع التعاون العسكري، وتنظيم مناورات مشتركة كبرى، وتطوير شراكات في مجالات التكنولوجيا والأمن. غير أن اللحظة الأكثر دلالة في هذا التحول كانت بلا شك اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء سنة 2020، وهو قرار منح الدبلوماسية المغربية دعماً سياسياً غير مسبوق من القوة الأكثر تأثيراً في النظام الدولي.

بهذا المعنى، لم يعد المغرب يتحرك فقط داخل الفضاء الفرنكفوني التقليدي، بل أصبح جزءاً من فضاء أطلسي أوسع تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية والجيوسياسية.

المغرب داخل التحولات الكبرى للنظام الغربي : 

غير أن هذا التحول لا يمكن فهمه فقط من زاوية العلاقات الثنائية، بل ينبغي قراءته في إطار التحولات التي تعرفها المركزية الغربية نفسها. فالغرب لم يعد وحدة متماسكة كما كان يُتصور خلال فترات سابقة، بل أصبح مجالاً لتنافس غير معلن بين نماذج مختلفة من القيادة والنفوذ.

فبينما ظل النفوذ الأوروبي يعتمد أساساً على شبكات تاريخية من العلاقات الثقافية والاقتصادية، تميل الولايات المتحدة إلى بناء منظومة تحالفات تقوم أساساً على المنطق الأمني والاستراتيجي.

وفي هذا السياق، تحاول دول متوسطة القوة مثل المغرب أن تستفيد من هذه التحولات عبر توسيع هامش المناورة داخل النظام الدولي، بدل الاكتفاء بالتموقع داخل دائرة نفوذ واحدة.

بين إعادة التوازن ومخاطر الارتهان : 

لكن هذا التحول يطرح في الوقت نفسه سؤالاً جوهرياً: هل يتعلق الأمر بقطيعة مع الإرث الفرنسي، أم بمجرد إعادة توازن داخل شبكة التحالفات الغربية؟

الواقع أن السياسة الخارجية المغربية تبدو أقرب إلى الخيار الثاني، حيث تسعى إلى الحفاظ على علاقاتها التقليدية مع أوروبا، مع توسيع شراكاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وقوى دولية أخرى.

غير أن هذا التموضع يظل محفوفاً بتحديات متعددة، لأن التحالفات الدولية بطبيعتها ليست ثابتة، بل تخضع لتحولات المصالح وموازين القوة. ولذلك فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في اختيار الحليف الأقوى، بل في القدرة على تحويل التحالفات إلى أدوات لتعزيز الاستقلال الاستراتيجي للدولة.

غير أن التحول نحو الفضاء الأطلسي لم يكن معزولاً عن تحولات أخرى أكثر حساسية في السياسة الإقليمية للمغرب، وعلى رأسها استئناف العلاقات مع إسرائيل في إطار اتفاقات أبراهام، وما رافق ذلك من رهانات أمنية ودبلوماسية جديدة.

وهنا يبرز سؤال آخر أكثر تعقيداً: كيف يمكن التوفيق بين هذا التحول الاستراتيجي وبين المكانة التاريخية التي تحتلها القضية الفلسطينية في الوعي السياسي المغربي، ثم ما هو أثر هذه التحولات على الحضور المغربي داخل القارة الإفريقية؟

وهو السؤال الذي ستتناوله الحلقة الثانية من هذا المقال، من خلال تحليل العلاقة بين التطبيع والرهانات الجيوسياسية للمغرب، واستحضار موقع القوى الحية داخل النقاش الوطني حول هذه التحولات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى