تأملات أولية في بيان جمعية هيئات المحامين بالمغرب

الأنوار 24/ مصطفى المنوزي
لم يعد بيان جمعية هيئات المحامين بالمغرب مجرّد توضيح تقني لمسار مشروع قانون المهنة رقم 66.23، بل تحوّل إلى وثيقة سياسية ومؤسساتية عالية الدلالة، تكشف عمق التوتر داخل حقل العدالة، وتفضح هشاشة منطق الحكامة التشاركية كما يُمارس لا كما يُعلن. فالبيان، في بنيته العميقة، لا يشتبك فقط مع مضمون النص التشريعي، بل يفتح مساءلة مباشرة لآليات إنتاج القرار العمومي، ولمدى احترام الدولة لتعهداتها الدستورية في إشراك الفاعلين المهنيين في صياغة القوانين المنظمة لمجالاتهم الحيوية.وإن ما يلفت الانتباه في هذا البيان ليس فقط نفي التصريحات المنسوبة إلى وزير العدل أو تصحيح المعطيات الزمنية المرتبطة بمسار الحوار، بل الإصرار على تفكيك السردية الرسمية التي حاولت تصوير المشروع باعتباره ثمرة توافق مهني ومؤسساتي ناضج. فالجمعية، من خلال استدعاء الوقائع الدقيقة، والتشديد على توقيت إحالة المشروع على الأمانة العامة للحكومة قبل استكمال النقاش، تكشف عن خلل بنيوي في منطق التشاركية، حيث يتم الاحتفاظ بشكل الحوار، مع تفريغه من مضمونه التداولي الحقيقي. وبهذا المعنى، لا يكتفي البيان بالدفاع عن موقف مهني، بل يعيد طرح سؤال الشرعية: هل تستمد القوانين المنظمة للمهن القضائية مشروعيتها فقط من المسطرة الشكلية، أم من التوافق الفعلي الذي يراكم الثقة ويعزز الانخراط؟ فالفرق شاسع بين تشاور يُستعمل كآلية تلطيف سياسي، وتشاور يُعتمد كمنهج ديمقراطي لإنتاج القرار. وما يبدو من خلال هذا الملف أن المقاربة الثانية ما تزال تواجه مقاومة صامتة داخل بنية الدولة الإدارية ؛ كما أن البيان يشي بتحول نوعي في خطاب الجمعية، من لغة تقنية تفاوضية إلى خطاب مؤسساتي نقدي، يحمّل المسؤولية السياسية المباشرة لوزارة العدل، ويستنكر منطق التسريبات والتصريحات غير الدقيقة، باعتبارها لا تنسجم مع مقتضيات الحكامة ولا مع واجب التحري والدقة الذي يفترض في سلطة عمومية تشرف على قطاع حساس كقطاع العدالة. هنا، تتحول المحاماة من موقع التلقي إلى موقع المساءلة، ومن موقع الدفاع عن المصالح المهنية إلى موقع الدفاع عن منطق الدولة القانونية. من هنا يتضح من خلال النسق القيمي للبيان أن الجمعية تعي جيدًا أن المعركة ليست حول مواد قانونية معزولة، بل حول فلسفة تنظيم المهنة، وحول طبيعة العلاقة بين الدولة والمهن القضائية. فالتركيز المتكرر على استقلال المهنة، وصون كرامتها، وربط ذلك بحماية الحقوق والحريات، يدل على تخوف مشروع من نزعة تأميم رمزي ووظيفي للمحاماة، عبر إخضاعها لمنطق الضبط الإداري والتقنين السلطوي، بدل تثبيت استقلالها كضمانة أساسية لعدالة مستقلة وفعال؛ وإلى هنا تبرز المفارقة الصارخة: ففي زمن تتوسع فيه الدولة في خوصصة الخدمات العمومية الحيوية، من ماء وكهرباء وصحة ونقل، تتجه في المقابل إلى تشديد قبضتها التنظيمية على المهن القضائية، وكأنها تسعى إلى تعويض انسحابها الاجتماعي بتعزيز حضورها السلطوي داخل منظومة العدالة. وهي مفارقة تكشف عن اختلال عميق في ترتيب الأولويات، وعن تصور ملتبس لوظيفة الدولة في المرحلة الراهنة.
كما أن البيان يعكس، بين سطوره، أزمة ثقة متفاقمة داخل منظومة العدالة، حيث لم يعد الخلاف تقنيًا قابلاً للاحتواء عبر التفاوض الهادئ، بل صار يمس مصداقية الحوار نفسه، ويضع موضع مساءلة طريقة تدبير الملفات الكبرى المرتبطة بالحريات والحقوق. وهو ما ينذر بتداعيات أوسع من مجرد تأخير تشريع قانون، ليطال صورة الدولة، وصدقية إصلاح العدالة، ومآلات الانتقال الديمقراطي. وفي هذا السياق، يتحول الدفاع عن استقلال المحاماة إلى دفاع عن توازن السلط، وعن فلسفة العدالة، وعن نموذج الدولة التي يُراد بناؤها. فإضعاف المحاماة ليس شأناً فئوياً، بل هو إضعاف غير مباشر للحق في الدفاع، ولمكانة المواطن داخل المنظومة القضائية، ولقدرة المجتمع على مراقبة السلطة ومساءلتها. ومن هنا فإن تمسك الجمعية بموقفها لا يقرأ كتعنت مهني، بل كاصطفاف وطني وأخلاقي إلى جانب دولة القانون.
إن بيان جمعية هيئات المحامين بالمغرب، في عمقه، هو نص إنذاري بامتياز. إنه ينبه إلى أن الإصلاح التشريعي حين ينفصل عن منطق التشارك، يتحول من رافعة للتحديث إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة. وينبه كذلك إلى أن الحكامة لا تختزل في المساطر، بل تتجسد في الثقة، والوضوح، والاحترام المتبادل، واستحضار المصلحة العامة في بعدها الحقوقي لا الإداري الضيق.
وعليه، فإن هذا الملف لا ينبغي أن يُختزل في جدل تقني حول مواد قانونية، بل يجب أن يُقرأ باعتباره لحظة كاشفة عن الصراع العميق بين منطق الدولة الإدارية ومنطق الدولة الاجتماعية الحقوقية. وهو صراع لن يُحسم بالنصوص وحدها، بل بمدى قدرة الفاعلين على إعادة بناء تعاقد مؤسساتي جديد، يوازن بين سلطة الدولة وحرية المهن، وبين متطلبات التنظيم وضمانات الاستقلال، وبين ضرورات الإصلاح ومقتضيات الديمقراطية.
مصطفى المنوزي
رئيس أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي





