سياسة

المغرب في مواجهة التحديات المناخية: نحو شراكة استراتيجية بين البرلمان والمجتمع المدني

كلمة الاستاذ عبد علي كميرة

الأنوار 24/ عبد العلي كميرة

تحية للحضور الكريم؛

أتقدم بالشكر إلى،

−       الرفاق بحزب التقدم والاشتراكية ولفريقه بالبرلمان، ولجنة القضايا الايكولوجية التابعة للحزب،

−       الائتلاف المغربي من أجل العدالة المناخية،

على تنظيمهم لهذه الندوة التي اختير لها شعار: “المغرب في مواجهة التحديات المناخية: نحو شراكة استراتيجية بين البرلمان والمجتمع المدني”، وهو بالمناسبة شعار له راهنيته على اعتبار أنه يهم حياتنا واستمرارنا على هذه الأرض، وأتمنى أن تلي هذه الندوة ندوات أخرى في فضاءات مختلفة، وانضمام أحزاب سياسية أخرى من أجل تشكيل جبهة تجمع بين المجتمع المدني والأحزاب السياسية وفرقها الممثلة بالبرلمان من أجل تسطير عمل مشترك لتعبئة وتحسيس المواطنين بخطورة الوضع، والعمل على اقتراح مشاريع قوانين مصاحبة تعنى بهذا المجال، بل أكثر من ذلك، إن الأمر يفرض علينا الانتقال من مرحلة الإنتاج والاستهلاك المفرط إلى مرحلة أخرى يرتكز فيها الإنتاج والاستهلاك على منطق الضرورة والعقلانية. لذا، يجب البحث عن نمط إنتاج مغاير وطريقة حياة مختلفة.

 وبهذه المناسبة، يسعدني أن أتقاسم معكن ومعكم بعض الأفكار في موضوع السياسات الطاقية ليس من الزاوية التقنية والاستثمارية طبعا، ولكن من زاوية سياسية واجتماعية. والسؤال الذي يطرح اليوم هو كالتالي: كيف سيتم الانتقال؟ ولصالح من؟ ومن يشارك في صياغته؟

باعتبار أن الانتقال الطاقي ليس محايدا سياسيا ولا اجتماعيا، فهو يعيد توزيع الثروة، وكذا تشكيل سوق الشغل، كما يؤثر بشكل مباشر على الطبقة العاملة، وعلى الجهات والفئات الهشة.

 إشارة: أنا هنا لا أتدخل باسم المنظمات النقابية والمجتمع المدني بتنوعه وتعدده، لكن ما يمكن التأكيد عليه هو أننا نشترك حول هدف واحد، أي العيش في مجتمع ديمقراطي، لذلك فأنا أساهم من داخل فضاء الائتلاف المغربي من أجل العدالة المناخية وهو الآخر يعرف تعددا وتنوعا في تشكيلته.

 حاليا، الكل يعرف أن العالم يعرف تحولات عميقة في مجال الطاقة نتيجة التغيرات المناخية، وارتفاع الطلب العالمي عليها، وتقلبات أسعار السوق للوقود الأحفوري. وفي هذا الإطار، يأتي اختيار المغرب للانتقال الطاقي كخيار استراتيجي بهدف تعزيز أمنه الطاقي، وتقليص تبعيته للخارج، ومن هنا تنبني خطته للحصول على الطاقة المتجددة.

 يجب علينا تسجيل أن المغرب يستورد تقريبا 90 بالمائة من احتياجاته، مما يشكل عبئا كبيرا على ميزانه التجاري. فالطاقة وحدها تمثل تقريبا 37 بالمائة. لذا، فإن هدف المغرب في أفق سنة 2030 هو الحصول على 52 بالمائة من الطاقة المتجددة.

إشارة: إن الانتقال العادل المرتكز على الطاقات المتجددة هو انتقال ليس محايدا، وتتداخل فيه عوامل أخرى. فالانتقال من الاعتماد على البترول، والغاز، والفحم الحجري إلى الطاقة الشمسية، والطاقة الريحية أو الهيدرومائية هو انتقال الرأسمال وتطوره وتطور دورته الإنتاجية، وخضوعه وتجاوبه بشكل نسبي مع الرأي العام وجزء من التزاماته اتجاه توصيات مؤتمرات الأطراف “الكوب-COPs” فيما يخص التغيرات المناخية ومحاولة التخفيف من تبعاتها. فبالأمس كان الشرق الأوسط يحظى بمكانة متميزة بالنظر لاحتياطه من البترول، واليوم هناك مناطق أخرى يكتسحها الرأسمال، في إفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وشرق آسيا لسبب بسيط هو وجود المواد التي تمكن من إنتاج الألواح الشمسية “EOLIENS” والتوفر على الكوبالت “COBALTE” والليتيوم “LITHIUM” والنحاس “CUIVRE” ……..، إلخ من المعادن التي تعتمد عليها الصناعات الحديثة المتطورة في مجالات السيارات الكهربائية، والهواتف الذكية “الرقائق”.

إن هذا المفهوم للطاقة المتجددة يتضمن نوعا من الديماغوجية والنفاق الممنهج من طرف الغرب، ولعل استخراجه لهذه الموارد (الكوبالت والعديد من المعادن التي يطلق على تسميتها “بالسياسات الاستخراجية EXCTRACTIVISME”) يعتبر هو الآخر تدمير للبيئة. فإذا كان الغرب يتكلم عن الحد من التلوث فهو يقصد بلدانه بالدرجة الأولى، وليس البلدان الأخرى، فعلى سبيل المثال لا الحصر، دولة الكونغو التي تحتوي على أكثر من 60 بالمائة من الاحتياط العالمي للكوبالت، والمعادن النادرة “TERRES RARES” وما تمارسه الشركات الكبرى من استغلال لليد العاملة، بما فيها الأطفال، يطرح أكثر من سؤال حول الديمقراطية وحقوق العمال.

وإذا كان البترول والفحم الحجري والعديد من المعادن الأخرى تلوث الهواء، فإن استخراج الكوبالت والليتيوم والنحاس يلوث الأرض والوديان والأنهار. وهذا الموضوع يمكن أن يشكل فكرة أخرى ذات أهمية بالغة التي تستدعي نقاشا عموميا موسعا، وذلك بالرجوع إلى المغرب وسياسته الطاقية. وبخصوص هذا الموضوع، لا بد لنا من تسجيل بعض الملاحظات في هذا الشأن، والتي يمكن عرضها على الشكل التالي:

▪        إن المشاريع الطاقية تناقش داخل دوائر مغلقة تتحكم فيها الجوانب التقنية وحجم الاستثمار، وتحصر الأهداف الكمية أي نسبة الإنتاج على حساب البعد الاجتماعي، وحضور ضعيف للنقاش العمومي. ومن هنا كان لزاما أن يلتقي الرهان البيئي مع الرهان الاجتماعي ويتداخل النقاش حول الطاقة مع أسئلة العدالة والديمقراطية والسيادة الوطنية، لأن الانتقال الطاقي ليس تحول تقني فقط بل هو مشروع مجتمعي وعلى الكل أن يتحمل مسؤوليته.

▪        ملاحظة أخرى: هنالك اختلالات مجالية على اعتبار كون الاستثمارات غير معممة، فالمشاريع الكبرى للطاقات المتجددة تتمركز في مناطق محددة. لذا، وجب ربط المشاريع الطاقية بالتنمية المحلية، والعمل على خلق فرص شغل في المناطق المستضيفة لهذه المشاريع. كما لا يمكن الكلام عن الانتقال العادل دون إدماج بعد النوع الاجتماعي، فالنساء وعلى وجه الخصوص بالعالم القروي، هن الأكثر تأثرا بالهشاشة.

▪        جل هذه المشاريع لا تعرف نقاشا عموميا، كما يجب التأكيد على غياب مشاورات من أجل إشراك المجتمع المدني والمنظمات النقابية في بلورتها.

مسؤولياتنا:

على الرغم من كل المعيقات يجب على البرلمان أن يضطلع بالأدوار الموكولة له. فبالإضافة إلى التشريع يجب عليه تتبع المشاريع ومراقبة إنجازها وتقييمها، ومدى استجابتها لاحتياجات البلاد، والانعكاسات على المستوى المعيشي للمواطنين. فهناك مشاريع عدة استنزفت ميزانية الشعب ولم يكتمل إنجازها أو يتم إنجازها بشكل فوضوي دون مراقبة ولا محاسبة، ولعل أكبر مثال على ذلك: هو مشروع “المغرب الأخضر” الذي مكن أقلية من الاستفادة بشكل كبير على حساب البلاد والمواطنين، علما أن البرلمان قد سبق له أن شكل لجنة لتقييم نتائج هذا البرنامج، ولحد الآن، لم تعمل هذه اللجنة على مباشرة أشغالها وتقديم تقريرها في الموضوع.

المنظمات النقابية:

جلها مرتبط بالمدى القصير، فهي تناضل من أجل تحسين الدخل وضمان استمرار فرص الشغل وتحسين شروطه، والكل يعرف أن مدونة الشغل، رغم علاتها، يتم خرقها يوميا. فالمنظمات النقابية تصارع من أجل حقها في الوجود والتنظيم، وأن الحوارات الاجتماعية تبرمج حين تريد الدولة تمرير بعض القرارات الجائرة، مثل ما اصطلح على تسميته جورا ب (إصلاح أنظمة التقاعد، أو قانون الاضراب، أو دمج الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي “CNOPS” في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي”CNSS”)، أو حوارات اجتماعية أخرى تنتزع تحت وثيرة ضغط الشارع لانتزاع بعض المكاسب. فالحال أننا نواجه حكومة لا تحترم نتائج الحوارات الاجتماعية، فكيف يمكن أن تشركك في المشاريع الكبرى. وعلى الرغم من كل ذلك، فالمنظمات النقابية ملزمة بتتبع سوق الشغل والفرص التي تتيحه، كما يجب عليها أن تعمل جاهدة داخل القطاعات المرتبطة بالطاقة الأحفورية لكي تساهم في الانتقال ودمج العمال في القطاعات الجديدة الواعدة، عبر التأهيل والتكوين، وذلك بغية الحفاظ على مكتسباتهم.

المجتمع المدني:

رغم أن دوره محوري، لكن هو الآخر لا يتم إشراكه، وفي بعض الأحيان يطلب منه أن يزكي مشاريع لم يساهم في بلورتها. أنا هنا أتكلم عن المجتمع المدني المستقل في قرارته عن الدولة وعن الأحزاب السياسية في تفاعل إيجابي معها فيما يخدم مصالح المجتمع المغربي. أما المجتمع المدني الذي صنعته الدولة فقد أبان عن فشله رغم صرف الميزانيات الكبيرة عليه من جيوب دافعي الضرائب.

مجتمعنا المدني حاضر رغم ضعف الإمكانيات، وهناك بطبيعة الحال تجارب ناجحة في هذا الباب، يعيش مجموعة من المشاكل البيروقراطية المتجلية في التنظيم، ومنح وصولات الإيداع، والتضييق على الأنشطة، وكذا مشكل التمويل.

خاتمة:

لا يمكننا الفصل بين الانتقال الطاقي والانتقال الديمقراطي، وأي سياسة تصاغ دون مشاركة حقيقية ودون حوار اجتماعي، محكوم عليها بفقد الشرعية. إن بناء الثقة بين الدولة والمجتمع تمر عبر الشفافية والحوار واحترام الأدوار.

ممكن أن يشكل الانتقال الطاقي في المغرب فرصة تاريخية، لكن لن يكون عادلا ولا مستداما إذا لم يتم البناء على أسس اجتماعية وديمقراطية صلبة.

نريد انتقال يخلق الثروة ويوزعها بشكل عادل، يحمي البيئة والانسان ويعزز السيادة الطاقية دون المساس بالحقوق الاجتماعية.

نعم للانتقال الطاقي، نعم للطاقات المتجددة، لكن قبل كل شيء، نعم للعدالة الاجتماعية، نعم للديمقراطية. نعم لمغرب يضع الانسان في صلب السياسات العمومية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى