التخليق المهني ضرورة مؤسساتية لاستقلالية الممارسة وحماية الحوار

الأنوار 24/ مصطفى المنوزي
نحن جميعاً مع مطلب تخليق الحياة المهنية داخل صفوف المحامين، ليس بناءً على ادعاءات بوجود احتقان في الجسم المهني، بل انطلاقاً من وعي واقعي بأن أي فضاء مهني قد تعتريه مقاربات متباينة تارة تؤدي إلى توافقات، وتارة أخرى تتحول إلى توترات. وهذا الواقع يستدعي وسائل تدبيرية متدرجة للتعامل معه. غير أن التدرج في التدبير يقتضي منهجية واضحة تبدأ بالتوجيه، ثم التنبيه، ثم التهذيب والتأنيب المعنوي، وصولاً إلى التأديب عند الاقتضاء. وكل ذلك يجب أن يتم ضمن شروط محددة تتوفر فيها الصفة والإطار المناسبين، لأن مؤسسات المهنة هي وحدها صاحبة الصلاحية الأصلية لممارسة هذه الأدوار.
وإن اختصاص هذه المؤسسات لا ينبغي أن يراهن على أي سياق أو زمن سوى السياق الثقافي المهني، والأعراف الوجيهة الراسخة، والقانون المنظم للمهنة. والفاعلون فيها ينبغي أن يكونوا من الزمن المهني المحض، ولا يعقل أن يتأثروا بالزمن الانتخابي – سواء كان انتخاباً مهنياً خالصاً أو سياسياً أو حزبياً – لأن استقلالية القرار المهني هي الضامن الوحيد للعدالة التأديبية.
ومن باب تحصيل لا يمكن تصور أن المؤسسات ستحرك المساطر بصفة تلقائية ، فهي ليست كما مصالح النيابة العامة ، بل لابد من شكاية ممن له الصفة والمصلحة المشروعة غير الكيدية ، وقد عايشنا لحظات مقاضاة كثير من المشتكين من طرف وزارة العدل بإسم الوشاية الكاذبة والمزاعم المغرضة . بل إن وزير العدل الحالي نجح في إقناع المشرع بأن يستنجد في هذا الصدد بمقتضيات المادتين الثالثة والسابعة من ق م م .
وفي هذا السياق، لا يمكن الحديث عن التخليق دون التأكيد على ضرورة احترام حرية التعبير كأساس لأي نقاش مهني ناضج. فتجويد الحوار المهني يقتضي بالضرورة احترام الحق في الاختلاف، وقبول النقد البناء، شريطة أن يظل ذلك بعيداً عن القذف والوصم، أو التجريح والتحقير. فالفرق شاسع بين النقد الذي يثري الممارسة المهنية، والتجريح الذي يهدم الثقة ويشخصن الخلافات.
فهل نعاني حقاً من خصاص مهني في هذا الصدد، حتى نضطر إلى تفويض الزمن السياسي أو الحزبي لتوجيه عملية التخليق؟ خصوصاً أن سؤال التخليق يهم جميع المنظومات، بما فيها منظومة العدالة، بل ونخص بالذكر السلطة القضائية التي خصصت لنفسها – في إطار تنظيمها الذاتي – مدونة للأخلاقيات القضائية، احتراماً لاستقلاليتها الدستورية. فالمحاماة أولى بهذا التخصيص.
والخلاصة فإن التخليق الحقيقي هو ذلك الذي ينبع من داخل المؤسسات المهنية، ويصون في الآن ذاته حرية التعبير وحق الاختلاف، ويحصن النقاش المهني من التسيس والانزلاقات الشخصية.


