
الأنوار 24/ عبد العزيز بن صالح
من الظواهر التي تتكرر في مختلف العصور أن يتصدر بعض أفراد العامة مشهد الدفاع عن الحاكم، لا باعتبارهم مسؤولين في الدولة أو أصحاب ولاية أو أهل رأي وخبرة، بل باعتبارهم متطوعين دائمين لحراسة السلطة في الفضاء العام، يراقبون الألسن، ويوزعون صكوك الوطنية، ويخوضون في أدق شؤون الحكم والسياسة وكأنهم أوكلوا إلى أنفسهم مهمة التحدث باسم الدولة. وهي ظاهرة قديمة قدم السلطة نفسها، وقد وجدنا عند ابن خلدون ما يساعد على فهمها وتفسيرها بعيداً عن الانفعالات والأحكام السطحية.
لم يكن ابن خلدون ينظر إلى التاريخ باعتباره سلسلة من البطولات الفردية أو الشعارات المعلنة، بل كان يبحث دائماً عن القوى الخفية التي تحرك البشر والجماعات، وعن المصالح والعصبيات الكامنة وراء الخطابات الظاهرة. ولذلك فإن سؤاله لم يكن: ماذا يقول الناس؟ بل لماذا يقولونه؟ وما الذي يدفعهم إلى تبني هذا الموقف أو ذاك؟
في هذا السياق، يلفت ابن خلدون الانتباه إلى ميل النفوس إلى الانحياز إلى الغالب. فالإنسان، بحسب تحليله، يرى في المنتصر والقوي صورة للكمال والنجاح، فينجذب إليه ويقلده ويتماهى معه. ومن هنا ينشأ ذلك الاستعداد النفسي للدفاع عن السلطة القائمة، ليس بالضرورة اقتناعاً بكل سياساتها، وإنما لأن السلطة تمثل القوة والهيبة والغلبة، والنفوس مجبولة على الانبهار بالقوة والانتساب إليها.
غير أن ابن خلدون لا يقف عند هذا التفسير النفسي، بل يضيف إليه تفسيرا اجتماعيا وسياسيا أكثر عمقا. فالدولة المستقرة لا تنتج المؤسسات فقط، بل تنتج أيضا شبكات واسعة من المصالح والولاءات والانتفاعات. ومع الزمن تتشكل حول السلطة فئات تجعل من الدفاع عنها وسيلة لاكتساب المكانة أو النفوذ أو الحظوة الرمزية. وهكذا يصبح الخطاب الموالي للسلطة في بعض الأحيان استثماراً سياسياً واجتماعياً أكثر منه تعبيراً عن قناعة مبدئية.
ومن هنا نفهم كيف يتحول بعض الناس إلى مدافعين شرسين عن الحاكم أكثر من مؤسسات الدولة نفسها. فبينما يستند الحاكم إلى الدستور والقانون والأجهزة والمؤسسات التي تحمي شرعيته وصلاحياته، نجد أفراداً عاديين يتصرفون وكأن مصير الدولة معلق على منشوراتهم وتعليقاتهم وصراخهم في الفضاء العمومي. يهاجمون كل رأي مخالف، ويعتبرون كل نقد خيانة، ويخلطون بين الدولة والحاكم، وبين الوطنية والطاعة، وبين احترام المؤسسات وتقديس الأشخاص.
ولو تأمل ابن خلدون هذه الظاهرة في عصرنا، لربما رأى فيها صورة من صور العصبية الجديدة؛ عصبية لا تقوم على القرابة أو القبيلة كما كان الحال في زمنه، بل على الارتباط الرمزي بمراكز القوة. فهؤلاء لا يدافعون دائماً عن الحاكم لأنه محتاج إلى دفاعهم، وإنما لأن الدفاع عنه يمنحهم شعوراً بالقرب من السلطة ومكانة متخيلة داخل هرمها المعنوي.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل يحتاج الحاكم فعلا إلى هذا النوع من الدفاع؟ منطق الدولة الحديثة يجيب بالنفي. فالحاكم تحميه الشرعية الدستورية، وتحكم علاقته بالمواطنين والمؤسسات قواعد القانون، وليس حملات التهليل أو المزايدات في الوطنية. بل إن الإفراط في الدفاع الشخصي عن الحاكم قد يسيء إلى المؤسسة أكثر مما يخدمها، لأنه ينقل النقاش من مستوى السياسات والبرامج إلى مستوى الأشخاص، ويحول المجال العام إلى ساحة للتخوين والتقديس بدل أن يكون فضاءً للحوار والمساءلة.
لذلك فإن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس دفاع العامة عن الحاكم في حد ذاته، وإنما ادعاؤهم احتكار الحديث باسمه، وتحويل أنفسهم إلى أوصياء على الوطن والمواطنين. فحين تتكلم العامة في شؤون الخاصة، وحين يتولى الغوغاء مهمة حراسة السلطة، لا يعود النقاش السياسي بحثاً عن المصلحة العامة، بل يصبح منافسة على من يرفع صوته أكثر، ومن يبالغ أكثر في إعلان الولاء.
وهنا تبرز حكمة ابن خلدون من جديد: فالتاريخ لا يصنعه الضجيج، ولا تقاس قوة الدول بعدد المصفقين لها، وإنما بقدرتها على بناء مؤسسات قوية تسمح بالنقد كما تسمح بالتأييد، وتحمي الحاكم بالقانون لا بالهتاف، وتحفظ هيبة الدولة من دون أن تجعل منها موضوعاً للمزايدة والانتفاع. فحين يصبح الدفاع عن السلطة مهنة للغوغاء، يكون الخطر الحقيقي ليس على الحاكم، بل على العقل العام نفسه.



