سياسة

أفول السرديات وصعود المحافظين

ماذا حدث لنا… وماذا يُراد بنا؟ أو من نحن؟ وماذا يُراد منا؟

الأنوار24/مصطفى المنوزي

منذ التحولات الكبرى التي شهدها العالم سنة 1979، مرورًا بسقوط جدار برلين، ثم سقوط بغداد، تبيّن أن ما كان يُسمّى بالسرديات العظمى دخل طور التآكل التدريجي. لم يعد الأمر يتعلق بأحداث معزولة، بل بسلسلة تحولات عميقة أعادت ترتيب موازين القوة، وأعادت تعريف مفاهيم الدولة والسيادة والعدالة والمعنى.

سنة 1979 شكّلت منعطفًا حاسمًا: صعود الثورة الإيرانية بما حملته من إعادة تديين للسياسة، وبروز النيوليبرالية مع ريغان وتاتشر بما مثّلته من إعادة إطلاق منطق السوق على حساب الدولة الاجتماعية. منذ تلك اللحظة بدأ تحالف غير معلن بين اقتصاد متحرر من الضوابط الاجتماعية وهويات تبحث عن يقين مغلق. كان ذلك إيذانًا ببداية أفول سردية التقدم الاجتماعي الكلاسيكي.

ثم جاء سقوط جدار برلين سنة 1989، ليُعلن انتصار نموذج أحادي قُدِّم باعتباره الأفق النهائي للتاريخ. غير أن ما تكرّس عمليًا لم يكن ديمقراطية اجتماعية كونية، بل تعميمًا لنموذج اقتصادي يُعلي من شأن النجاعة والمنافسة، ويُضعف مركزية العدالة والتضامن. تحوّل المواطن تدريجيًا إلى فاعل اقتصادي، وتراجعت الأسئلة الكبرى المرتبطة بالمساواة والكرامة.

أما سقوط بغداد سنة 2003، فقد كشف حدود هذا الادعاء الكوني. حين تُصدَّر الديمقراطية بالقوة، تفقد جزءًا من شرعيتها الأخلاقية. ومن رحم ذلك التناقض تصاعدت سرديات المظلومية والهوية الجريحة، واشتد المدّ المحافظ بأشكاله الدينية والقومية والشعبوية. لم تعد الأزمة أزمة نموذج سياسي فحسب، بل أزمة معنى وثقة.

في هذا السياق، يتخذ سؤال “من نحن؟” بعدًا مركبًا. نحن مجتمعات تعيش توترًا دائمًا بين مطلب السيادة ومتطلبات الاندماج في نظام عالمي غير متكافئ. نحمل ذاكرة لم تُحسم كل جراحها، ونُطالَب في الآن ذاته بالالتحاق السريع بعالم يتغير بإيقاع متسارع. لسنا خارج التاريخ، لكننا لسنا في مركز صناعته أيضًا.

أما “ماذا يريدون منا؟” فلا يُختزل في نوايا مباشرة، بل في منطق بنيوي يفضل أن تبقى الأطراف مستقرة وظيفيًا، مندمجة اقتصاديًا، منضبطة أمنيًا، وقابلة لاستهلاك السرديات الجاهزة. يُراد لنا أن نكون جزءًا من منظومة، لا أن نعيد مساءلة قواعدها.

وبين الريغانية التي دشّنت هيمنة السوق، والترامبية التي أعادت إحياء القومية الاقتصادية في صيغة شعبوية، تراجعت مساحات التنوير النقدي. لم تختفِ السرديات الكبرى بقدر ما تحوّلت إلى صيغ جديدة، أكثر تذررًا وأشد تنازعًا.

لذلك فإن افتحاص تلك العقود ليس تمرينًا في استعادة الماضي، بل محاولة لفهم جذور اللحظة الراهنة: كيف تراجع الأفق التقدمي؟ كيف تمدد المدّ المحافظ؟ وكيف أصبح الصراع اليوم صراعًا على إنتاج المعنى قبل أن يكون صراعًا على السلطة؟

ربما لم تنتهِ السرديات العظمى، لكنها فقدت قدرتها على الإقناع الشامل. وما بين البحث عن يقين مغلق والانخراط في عولمة بلا روح، يتجدد سؤال الهوية والدور. ليس بوصفه حنينًا إلى ماضٍ منقضٍ، بل باعتباره سعيًا إلى بلورة موقع نقدي قادر على الجمع بين السيادة والعدالة، وبين الواقعية السياسية وأفق الكرامة الإنسانية.

هكذا يصبح السؤالان معًا مدخلًا لإعادة التفكير: لا في ما يُراد بنا فقط، بل في ما نريد أن نكونه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى