سياسةغير مصنف

مفارقات الزمن الانتخابي: بين نزاهة الاقتراع واستمرارية التنمية

نحو تفكيك حياد الأغلبية الصامتة

الأنوار 24/ مصطفى المنوزي 

يطرح تدبير الشأن المحلي خلال الفترات الانتخابية مفارقة مركبة: كيف نضمن نزاهة العملية الانتخابية ومنع توظيف الموارد العمومية في الاستمالة، دون أن يتحول ذلك إلى ذريعة لتعطيل المرفق العمومي وشلّ دينامية التنمية؟ إنها معضلة تتجاوز حدود القانون إلى عمق العلاقة بين التمثيل والإنجاز، وبين السياسة كرسالة والسياسة كأداة.

من حيث المبدأ، لا خلاف حول خطورة استغلال بعض المنتخبين لمواقعهم لتنظيم أنشطة “تنموية” أو “اجتماعية” خلال المواسم الانتخابية، تُوجَّه في حقيقتها لخدمة أهداف انتخابية ضيقة. غير أن الإشكال يبدأ حين يتم الانتقال من معالجة هذه الانحرافات بشكل دقيق، إلى اعتماد مقاربة شمولية تقوم على توقيف الأنشطة بالمطلق، بما فيها تلك المبرمجة سلفًا ضمن ميزانيات مصادق عليها.

هذا التوجه ينطوي على اختلالات متعددة. فهو، أولًا، يعكس تصورًا اختزاليًا للناخب، وكأن إرادته رهينة تأثير ظرفي، في تجاهل لتراكم وعي مدني يتطور وإن بشكل متفاوت. وهو، ثانيًا، يخلط بين التدبير والدعاية، إذ ليس كل إنجاز وسيلة انتخابية، بل الأصل أنه التزام تعاقدي ممتد عبر الولاية. أما ثالثًا، فيفتح الباب أمام تضخم تدخل السلطة الإدارية تحت مبرر الحياد، بما قد يحول “الضبط” إلى “حلول”، ويعيد إنتاج اختلال التوازن بين الشرعية التمثيلية والسلطة الإدارية.

أمام هذه المفارقة، يصبح من الضروري الانتقال من منطق المنع الشامل إلى منطق التقويم العقلاني، عبر ثلاث دعائم أساسية:

أولها، عقلنة المنع بدل تعميمه، بحصره في الأنشطة الاستثنائية أو الانتقائية ذات الطابع الدعائي، مع ضمان استمرارية المشاريع والخدمات المبرمجة، في إطار من الحياد والشفافية.

ثانيها، التركيز على السلوك بدل الفعل، أي توجيه الرقابة والزجر نحو استغلال النفوذ والموارد والخطاب المؤسساتي لأغراض انتخابية، بدل تجميد الوظيفة العمومية في حد ذاتها.

ثالثها، تحصين التوازن المؤسساتي، عبر تأطير تدخل السلطة الإدارية بضوابط دقيقة وقابلة للمساءلة، بما يحفظ مبدأ التدبير الحر كركن دستوري، لا كامتياز قابل للتعليق.

غير أن هذا النقاش، في عمقه، يكشف عن معضلة أوسع: ليست فقط في نزاهة العرض الانتخابي، بل في ضعف الطلب على المشاركة. فالعزوف الانتخابي، أو ما يُسمى بـ“حياد الأغلبية الصامتة”، لا يمكن اختزاله في اللامبالاة، بل هو في كثير من الأحيان تعبير عن فجوة ثقة، وغموض في الجدوى، وشعور بتراجع الأثر الفردي للصوت الانتخابي.

وهنا تتقاطع مفارقة ثانية: بدل أن يكون رفع نسبة المشاركة هدفًا ديمقراطيًا في حد ذاته، قد يتحول، ضمنيًا، إلى متغير يُدار ببراغماتية حذرة لمواجهة “لايقين” النتائج. لكن مواجهة اللايقين لا تكون بتدبير المشاركة، بل بتوسيعها وتعميقها، لأن الشرعية لا تُبنى على التوقع، بل على الانخراط.

إن تفكيك حياد الأغلبية الصامتة يمر عبر إعادة بناء معنى المشاركة، وذلك من خلال:

استعادة الثقة: بربط الوعود بالإنجاز القابل للقياس، وتفعيل المحاسبة على أساس الأثر؛

ضمان تكافؤ الفرص: بتحييد الموارد العمومية فعليًا، والحد من كل أشكال الاستغلال غير المشروع؛

تبسيط الفعل السياسي: عبر وضوح البرامج وشفافية المعطيات، بما يمكّن المواطن من الاختيار الواعي؛

توسيع قنوات المشاركة: عبر آليات تشاركية تجعل المواطن فاعلًا مستمرًا لا ناخبًا موسمياً؛

تأطير إداري متوازن: يحمي النزاهة دون أن يتحول إلى وصاية تُضعف المبادرة المحلية.

في هذا الأفق، لا تعود التنمية أداة ظرفية تُفعّل انتخابيًا وتُجمّد قانونيًا، بل تصبح التزامًا تعاقديًا دائمًا، يُقاس بالأثر ويُحاسَب عليه. كما لا تعود الانتخابات مجرد لحظة تقنية، بل محطة ضمن سيرورة أوسع من المواطنة الفاعلة.

خاتمة ونداء

إن الطريق إلى رفع نسبة المشاركة لا يمر عبر إدارة العزوف أو التكيف معه، بل عبر تفكيكه: ببناء شروط ثقة حقيقية، وعدالة تنافسية، ووضوح في المسؤوليات. المطلوب ليس “شرطيًا” يوقف الحركة باسم الحياد، بل حكامة ذكية تنظّمها وتضمن نزاهتها دون تعطيلها.

فلنحوّل الصمت إلى مساءلة، والتردد إلى مشاركة، والانتخابات إلى تعاقد حيّ بين المواطن والمؤسسة. عندها فقط يصبح الإقبال نتيجة طبيعية لشرعية مُستحقة، لا رقمًا مُدبّرًا لمواجهة لايقين مُقلق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى