نحو هوية جدلية للمحاماة: من سردية الحرية إلى معادلة الأمن والتنمية
من وحي اليوم العالمي للعدالة الإجتماعية وذكرى 20 فبراير

الأنوار24/مصطفى المنوزي
إن السؤال الذي علينا طرحه بكل جرأة : هل حان الوقت لتطوير عقيدة المحاماة إلى هوية جدلية عمادها الحق في الأمن والحق في التنمية ؟
وإن هذا السؤال لا يندرج في أفق تطوير خطاب مهني فحسب، بل في أفق إعادة تأسيس موقع المحاماة داخل المعادلة الوطنية. فإذا كانت التحولات الجارية تُعيد تعريف الأمن والتنمية باعتبارهما أولويتين استراتيجيتين للدولة، فإن الاكتفاء بعقيدة دفاعية تقليدية قد لا يكون كافيًا لاستعادة الفاعلية التاريخية للمحاماة.
تطوير عقيدة المحاماة إلى “هوية جدلية” عمادها الحق في الأمن والحق في التنمية يعني الخروج من ثنائية كلاسيكية طالما حاصرت الخطاب الحقوقي: إما أن يكون في مواجهة الأمن، أو في هامش التنمية. بينما المقاربة الجدلية تفترض أن الأمن بدون ضمانات حقوقية يتحول إلى ضبط، وأن التنمية بدون عدالة اجتماعية تتحول إلى نمو غير متكافئ. هنا تصبح المحاماة فاعل توازن لا فاعل اعتراض فقط.
الحق في الأمن، في معناه الحقوقي، ليس احتكارًا مؤسساتيًا للقوة، بل حقًا فرديًا وجماعيًا في الحماية من التعسف ومن الفوضى معًا. والمحاماة، بحكم موقعها بين السلطة والمتقاضي، قادرة على تأطير هذا الحق داخل منطق الشرعية، لا منطق الاستثناء. أما الحق في التنمية، فليس مجرد شعار اقتصادي، بل حق في الولوج العادل إلى الفرص والموارد والعدالة الاجتماعية، وهو مجال تتقاطع فيه المحاماة مع السياسات العمومية والتشريع والاستثمار.
غير أن التحول نحو هوية جدلية يقتضي حذرًا مفاهيميًا. فالانخراط في خطاب الأمن أو التنمية دون إعادة تعريفهما قد يؤدي إلى ذوبان الدور النقدي للمحاماة. الهوية الجدلية ليست انخراطًا في سردية رسمية، بل قدرة على مساءلتها من الداخل، وإعادة تأويلها وفق معايير الحقوق والكرامة والمساواة.
بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بتغيير “عقيدة” بمفهومها الصلب، بل بتوسيع أفقها. فالمحاماة التي كانت تاريخيًا حاملة لسردية الحرية يمكن أن تصبح أيضًا حاملة لسردية التوازن بين الحرية والأمن، وبين العدالة والتنمية. إنها انتقال من خطاب المطالبة إلى خطاب الاقتراح، ومن موقع الدفاع السلبي إلى موقع الفاعل في هندسة السياسات العمومية دون التفريط في الاستقلال.
السؤال إذن ليس فقط هل حان الوقت، بل هل تتوفر الشروط الفكرية والمؤسساتية لهذا التحول؟ لأن الهوية الجدلية لا تُعلن ببيان، بل تُبنى بتراكم معرفي وممارسة ميدانية واستقلالية صلبة تسمح للمحاماة بأن تكون شريكًا نقديًا، لا ملحقًا وظيفيًا.
إذا أُحسن تأطير هذا التحول، فقد يشكل امتدادًا طبيعيًا لتاريخ المحاماة في الدفاع عن الحقوق، ولكن بلغة جديدة تستوعب تحولات الدولة والمجتمع. أما إذا أُسيء فهمه، فقد يتحول إلى إعادة تموقع شكلية داخل سردية لا تملك المحاماة أدوات التأثير فيها. وهنا يكمن التحدي الحقيقي.
لكن هل يعقل تطوير المحاماة دون تأهيل المحاميات والمحامين وتخليق الحياة المهنية والإنخراط في استراتيجية الحد من الإفلات من العقاب ، وفرض ضمانات عدم تكرار الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان .


