الإصلاح التشريعي في قانون المحاماة: بين المعنى، الجدوى، المغزى، ومعيار الأثر
سؤال الوقع القيمي العمومي على مستوى الرمزية المؤسسية

الأنولر 24/ مصطفى المنوزي
ليست الأسئلة المثارة حول مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة مجرد نقاش تقني حول صياغة المواد أو إعادة توزيع الاختصاصات، بل هي مساءلة أعمق تتعلق بالمعنى الذي يُراد إنتاجه حول المهنة، بالمغزى الكامن وراء الإصلاح، بالجدوى العملية للاختيارات التشريعية، وقبل كل ذلك، بالأثر الذي سيُحدثه هذا الإصلاح على الممارسة المهنية والتوازنات المؤسسية.
1. المعنى: ما الذي يُقال عن الإصلاح؟
تكشف قراءة نقدية لمذكرة تقديم المشروع أن المذكرة لم تُنتج معنى محددًا للإصلاح، بل انطلقت من مسلمة عامة: الإطار القانوني الحالي لم يعد ملائمًا، دون تحديد طبيعة الاختلال: هل هو قصور في النص، تعثر في التطبيق، أم تحول في السياق المؤسساتي والمهني؟
غياب هذا التشخيص يحول الإصلاح من استجابة محددة لمشكلة واضحة، إلى هدف قائم بذاته، تُساق حوله عناوين عامة مثل “التحديث”، “التأهيل”، و”الملاءمة”، دون إقامة علاقة سببية بين الوضع القائم والحلول المقترحة.
كما أن استخدام تعبيرات مثل “تأهيل المهنة” يوحي بوجود خلل بنيوي فيها، في حين أن التدخلات المقترحة تتعلق أساساً بتطوير آليات الممارسة أو تكوين الممارسين، مما يعيد تشكيل صورة المهنة في الوعي التشريعي والعمومي ويؤسس لسردية ضمنية حول الحاجة إلى إعادة ضبطها.
2. الجدوى: هل الإصلاح يحل الإشكال؟
تتجلى أهمية الجدوى في العلاقة بين المشكلة والحل وأثره المتوقع. ولأن المذكرة لا تحدد طبيعة الاختلال ولا تناقش البدائل، فإن إمكانية تقييم مدى جدوى الإصلاح تتراجع، ويصبح النقاش محصورًا بين قبول المشروع أو رفضه، بدل مساءلة الخيارات بشكل نقدي موضوعي.
ويظهر هذا بوضوح في تقديم مقتضيات مثل إلزامية ارتداء البذلة المهنية ضمن القانون، رغم أنها تقليدياً شأن تنظيمي داخلي للهيئات المهنية. مثل هذه الاختيارات تُثير تساؤلات حول حدود التدخل التشريعي ومخاطر تضييق هامش التنظيم الذاتي للمهنة.
3. المغزى: أي تصور للمهنة والدولة؟
تؤكد المذكرة، من جهة، على استقلال المهنة وطابعها الحر، لكنها تبرر، من جهة أخرى، تدخلاً تنظيمياً واسعاً يمس جوانب دقيقة من الممارسة المهنية، دون توضيح الأسس التي تحكم التوازن بين الاستقلال والتنظيم.
هذا التردد يعكس صراعًا ضمنيًا بين المنطق المؤسسي ومنطق الحرية المهنية: هل يُنظر إلى المحاماة كشريك دستوري في صناعة العدالة، أم كحقل مهني يُعاد هندسته ضمن منطق الضبط؟
وهو سؤال يتجاوز اللغة القانونية إلى البعد الرمزي: أي تموضع للمهنة في شبكة الدولة، وأي استقلالية تُمنح للفاعلين في الدفاع عن الحقوق والحريات؟
4. معيار الأثر: قبل النص، لا بعده
لا يُقاس الإصلاح التشريعي بجودة الصياغة فقط، بل بما يخلّفه من أثر في استقلال الدفاع، التنظيم الذاتي، ضمانات المحاكمة العادلة، والثقة العامة في العدالة. وهنا تأتي أهمية المادة 6 من القانون التنظيمي رقم 066.13، التي تُلزم بإرفاق مشاريع القوانين بدراسة أثر قبل عرضها على المجلس الحكومي، لتقييم انعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والبيئية، وضمان عقلنة التشريع وشفافيته.
دراسة الأثر ليست مجرد إجراء شكلي، بل أداة تقييم استباقي تسمح:
بتقدير الكلفة والمنافع والانعكاسات قبل الإقرار النهائي؛
بتعزيز الشفافية والثقة بين الإدارة والمجتمع؛
بتفادي الصعوبات التطبيقية أو التناقضات المؤسسية التي قد تنتج عن النصوص القانونية.
وتصبح أهمية دراسة الأثر مضاعفة حين يتعلق الأمر بمهنة تُجسد حقًا دستوريًا: حق الدفاع. أي تعديل يمس استقلال التنظيم الذاتي أو العلاقة بين الدفاع والسلطة القضائية أو التنفيذية، لا يُنتج أثرًا تقنيًا فقط، بل أثرًا مؤسساتيًا يعيد ترتيب توازنات السلطة ويؤثر في ضمانات العدالة.
5. الخلاصة: إعادة فتح النقاش حول الإصلاح
يمكن ان خلص في آخر التحليل إلى أن الإصلاح التشريعي لقانون المحاماة لا يجب أن يُنظر إليه كفعل تعديل نص، بل كفعل تقدير أثر: في المعنى، في الوظيفة، أي الوقع العمومي على مستوى الرمزية المؤسسية. كما أن حدود المراجعة ينبغي أن تُرسم وفق معيار واضح: التنظيم قابل للتطوير، لكن جوهر الاستقلال وضمانات الدفاع غير قابل للتفريغ تحت أي عنوان إصلاحي.
وبذلك، يصبح النقاش حول الإصلاح نقاشًا استراتيجيًا حول تصور الدولة لموقع الدفاع داخلها: هل المحاماة شريك دستوري في صناعة العدالة، أم مجرد وظيفة يُعاد هندستها ضمن منطق الضبط؟
إن إعادة فتح النقاش حول أسباب نزول الإصلاح لا تعني رفض التطوير، بل إخضاعه لمعايير المعنى، الجدوى، المغزى، والأثر، حتى لا يتحول التشريع إلى سردية تقنية تحيد السؤال الجوهري: أي عدالة نريد، وأي موقع للدفاع داخلها ؟
من هنا فإننا ندعو نقباءنا وممثلينا على مستوى القيادة المهنية أن يستحضروا مسودة الأرضية التي بسطنا من خلالها بعض مداخل إعادة الحوار على أسس جديدة ومتميزة نوعيا ومسطريا عن كل ما سبق فرضه خارج المقاربة التشاركية ، وعلى أساس سياق ما بعد واقعة تجميد رئاسة الحكومة للمشروع في سلسلة المخطط التشريعي .




