فن و ثقافة

الحق في الطعن بين الأمن القضائي وإنكار العدالة المقنّع

الأنوار 24/مصطفى المنوزي 

لا يقتصر إصلاح منظومة العدالة على تعديل القوانين أو إعادة تنظيم المؤسسات، بل يقتضي أيضًا مساءلة الثقافة التي تؤطر الممارسة القضائية وتوجّهها عمليًا. وفي هذا السياق، يبرز الافتـحاص الثقافي كآلية لتقييم القيم والتمثلات والسلوكيات السائدة داخل العدالة، ومدى تأثيرها على جودة الأحكام، والإنصاف، وثقة المواطنين في القضاء، خاصة في سياق مغربي يتسم بتعدد المراجع القانونية، وتأثير البيروقراطية، وحضور العلاقات الاجتماعية في الوعي والممارسة.

ويُظهر هذا المدخل أن عددًا من اختلالات العدالة لا يرتبط فقط بنقص الموارد أو النصوص، بل بأنماط تفكير وممارسات مترسخة، تتجلى في تغليب المردودية الكمية على جودة التعليل، وفي تراجع البعد الاعترافي والإنصافي للأحكام. ومن ثم، فإن الافتـحاص الثقافي لا يستهدف محاسبة الأفراد، بل تقييم العدالة كخدمة عمومية ذات بعد قيمي، بما يمهّد للنقاش حول الأمن القضائي، والحق الدستوري في الطعن، ومخاطر إنكار العدالة المقنّع.ولذلك فإن المجتمعين السياسي والمدني، وبقية السلطات الدستورية والمؤسسات العمومية، في غنى عن الانخراط في معارك ثانوية حول المصالح والمواقع، عبر فتح جبهات صراع مجانية مع السلطات العمومية ذات الصلة بورش إصلاح وتنمية العدالة المفتوح. فمدونة الأخلاقيات القضائية، في حد ذاتها، قادرة على معالجة عدد من المعضلات البنيوية، لو تم تفعيلها بما يلزم من شجاعة أدبية ونزاهة فكرية، بعيدًا عن منطق التوظيف الظرفي أو التدبير الدفاعي للأزمات.

غير أن الإشكال الجوهري الذي يطرح بإلحاح يتجاوز منطق النصوص إلى سؤال الحاجة إلى افتحاص ثقافي للأحكام القضائية النهائية، يوازي – بل يسبق أحيانًا – الافتـحاص القانوني الصرف. والمقصود بالافتـحاص الثقافي هنا ليس إعادة النظر في سلامة التكييف القانوني فقط، بل تقييم جودة العدالة من حيث المعنى والجدوى والإنصاف، ومدى انسجام الأحكام مع مطلب تحقيق الأمن القضائي، بوصفه عنصرًا مؤسسًا للثقة العامة في القضاء. فالمسألة لا تتعلق بالمردودية الكمية وحدها، والتي تعرف عادةً حركية متسارعة في نهاية كل سنة، بقدر ما تتعلق بجودة التعليل، وقابلية الحكم للفهم والقبول المجتمعي، وقدرته على إنتاج الطمأنينة القانونية.

إن ضغط عدد الملفات وما يفرضه من إكراهات زمنية يؤدي في كثير من الأحيان إلى تسريع البت، بما يجعل الأجل الاسترشادي يتحول من أداة توجيهية إلى منطق ضمني يدفع بعض الهيئات القضائية إلى الاكتفاء بالتأييد دون تعليلات كافية وشافية، وهو ما ينعكس سلبًا على الحق في المحاكمة العادلة، وعلى وظيفة القضاء في إنتاج المعنى القانوني لا مجرد إنهاء النزاع شكليًا. كما أن الافتـحاص الثقافي يفتح النقاش حول أسئلة الإنصاف والاعتراف، باعتبارهما بعدين ملازمين للأثر الاجتماعي للأحكام القضائية، ولعلاقتهما بالحكامة القضائية والتطبيق السليم والعادل للقانون.

وفي هذا السياق، يظل التأكيد على الحق الدستوري في الطعن مبدأً لا يقبل التقييد أو التحجيم بذريعة الشكاية من «إغراق» محكمة النقض بالملفات. ذلك أن أي تضييق غير مبرر على هذا الحق، أو الامتناع عن البت فيه، يشكل في جوهره صورة من صور إنكار العدالة، بما يحمله من مساس خطير بمبدأ سيادة القانون وبثقة المتقاضين في المؤسسة القضائية. فالطعن ليس امتيازًا إجرائيًا، بل ضمانة دستورية لإعادة فحص الحكم وتصحيح أخطائه المحتملة، خاصة في ظل اختلالات موضوعية مرتبطة بالزمن والموارد وضغط الملفات.

وإذا كان الإشكال الحقيقي المطروح يتعلق بنقص الموارد البشرية والمالية، فإن إثارة المسؤولية ينبغي أن تتم داخل دواليب السياسة العامة للدولة، لا على حساب الحقوق الدستورية للمتقاضين. فالقضاء الوطني لا يضطلع فقط بوظيفة الفصل في النزاعات، بل يؤدي دورًا مركزيًا في امتصاص النقمة والخصاص الاجتماعيين، وفي تقييد مظاهر الانفلات الأمني، وحماية السلم الاجتماعي. ومن ثم، فإن تحميل المتقاضين كلفة اختلالات بنيوية لا يد لهم فيها، يمثل انزلاقًا خطيرًا في منطق التدبير العمومي للعدالة.

صحيح أن ضبط الصراع المجتمعي عبر القضاء مكلًِف من حيث الموارد والإمكانات، غير أن هذه الكلفة تندرج ضمن إشكالات الموازنة العمومية، والترشيد العقلاني للنفقات، واحترام مبدأ تكافؤ الفرص في الولوج إلى العدالة، ولا يجوز أن تتحول إلى ذريعة لتقليص الحقوق أو الالتفاف على الضمانات الدستورية. وبناءً عليه، فإن أي افتـحاص جدي لمنظومة العدالة يقتضي استحضار شرط الحياد والمسافة، عبر إسناد مهام الافتـحاص الثقافي والمؤسساتي إلى هيئات الحكامة والوساطة والاستشارة المستقلة، مع الإبقاء على الافتـحاص الأخلاقي والمالي ضمن اختصاص المؤسسات المخولة قانونًا، تفاديًا لمنطق المحاسبة الذاتية داخل الدوائر المغلقة. 

وعلى سبيل الإستنتاج فأهم مؤشر ينبغي إبرازه لمدى نجاعة الإفتحاص الثقافي لمرفق العدالة ، هو ملامسة الجواب عن مدى صحة مصالحة القضاء مع المجتمع ، بالقطع مع ماضي تورطه مع السلطة التنفيذية التي كانت تسخره بالشاركة في الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسات على عهد سنوات الرصاص البائد .

مصطفى المنوزي 

رئيس أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى