السيادة كقاعدة آمرة: موقف مبدئي في زمن الاستثناء الدولي

الأنوار 24/ مصطفى المنوزي
في زمن تتكاثر فيه الاعتداءات على السيادات الوطنية تحت ذرائع متعددة، تتقدمها شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة ضبط النقاش حول جوهر القانون الدولي: هل هو منظومة قواعد ملزمة تنظم العلاقات بين الدول على أساس المساواة في السيادة، أم أداة انتقائية تُستعمل وفق ميزان القوة والمصلحة؟
ينطلق هذا الموقف من قاعدة مبدئية واضحة مفادها أن تحديد المسؤولية يسبق توصيف الوضعيات السياسية الداخلية للدول. فحين تُمارَس العقوبات الأحادية خارج الشرعية الدولية، أو تُفرض الوصاية السياسية، أو يُلوَّح بالتدخل المباشر وغير المباشر في شؤون الدول، فإن الإشكال يصبح إشكال انتهاك للسيادة، لا مجرد نقاش حول طبيعة الأنظمة أو شرعيتها الداخلية. وفي هذا السياق، تتحمل الولايات المتحدة، بالنظر إلى ما راكمته من ممارسات أحادية وتجاوزات ممنهجة للقانون الدولي، مسؤولية مركزية في إضعاف النظام الدولي، عبر تحويله من منظومة قواعد مُلزمة إلى فضاء استثناء دائم. ومن ثم، فإن أي مقاربة للحالة الفنزويلية، أو لغيرها من الحالات المشابهة، لا تستقيم إذا اختزلت الأزمة في شخص الرئيس أو في طبيعة النظام، وتغاضت عن سلوك الفاعل الدولي المعتدي على مبدأ السيادة.
إن السيادة الوطنية، في هذا المنظور، ليست امتيازًا سياسيًا ولا غطاءً لتبرير الاستبداد، بل قاعدة آمرة في القانون الدولي، يشكل المساس بها تهديدًا مباشرًا لاستقرار النظام الدولي برمته. فالخلط المتعمد بين النقد المشروع لانتهاكات حقوق الإنسان وبين التدخل غير المشروع في الشؤون الداخلية للدول لا يؤدي إلا إلى شرعنة منطق القوة، وإلى إفراغ مفاهيم الحقوق والديمقراطية من مضمونها الأخلاقي والقانوني، وتحويلها إلى أدوات ضغط وانتقاء.
ولا يعاني القانون الدولي، في جوهره، من أزمة مبادئ أو فقر في النصوص، بقدر ما يعاني من أزمة حادة في آليات التنفيذ والإنفاذ. وتتجلى هذه الأزمة في الانتقائية في التطبيق، وفي التسييس الممنهج لقرارات المؤسسات الدولية، وفي تعطيل آليات المساءلة كلما تعلق الأمر بالقوى المهيمنة. وهو ما يجعل القانون الدولي، في كثير من الحالات، أداة لتأديب الدول الضعيفة بدل أن يكون إطارًا منصفًا لتنظيم العلاقات بين الدول على قاعدة المساواة والاحترام المتبادل.
وفي السياق المغربي، يكتسي هذا النقاش بعدًا استراتيجيًا خاصًا، بالنظر إلى مركزية قضية السيادة والوحدة الترابية، وتعقيد البيئة الجيوسياسية، ومخاطر الارتهان لعلاقات خارجية مختلة التوازن. فالدفاع عن القانون الدولي، من منظور مغربي، لا يعني الانغلاق أو القطيعة، بل يقتضي انفتاحًا واعيًا ومتعدد الأقطاب، وتنويعًا مدروسًا للشراكات، وتحصينًا لاستقلال القرار الوطني ضمن شبكة علاقات متوازنة. ذلك أن التفريط في مبدئية السيادة في الخارج ينعكس بالضرورة ضعفًا في القدرة على الدفاع عنها في الداخل.
وانطلاقًا من هذا الموقف، يصبح إصلاح النظام الدولي ضرورة لا ترفًا فكريًا، عبر مساءلة آليات الإنفاذ وجعلها أكثر عدالة وحيادًا، وتعزيز استقلال المؤسسات القانونية الدولية عن مراكز النفوذ السياسي، وإعادة التوازن بين احترام السيادة الوطنية وحماية حقوق الإنسان، وإنهاء ازدواجية المعايير التي تشكل الخطر الأكبر على مصداقية القانون الدولي.
إن هذا الموقف لا يعبر عن انحياز لأنظمة ولا عن تبرير لانتهاكات داخلية، بل عن رفض مبدئي لتحويل القانون الدولي إلى أداة هيمنة، وعن دفاع صريح عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وعن مبدأ المساواة في السيادة بين الدول. وهو موقف ضد منطق الغلبة لا ضد الشعوب، وضد الاستثناء الدائم لا ضد النقد الحقوقي المشروع، ومن أجل قانون دولي يُقيِّد القوة بدل أن يُشرعنها، ويحمي الضعفاء بدل أن يُخضعهم، ويؤسس لعلاقات دولية أكثر عدالة وتوازنًا في عالم يتآكل فيه الحد الفاصل بين الحق والقوة.



