من يبالغ في إستعمال “فزاعة “الدولة هو من يغتال هيبتها الرمزية
من وحي فعاليات الندوة الصحفية لمكتب جمعية المحامين الوطنية

الأنوار 24/مصطفى المنوزي
لا يمكن قراءة تصريح وزير العدل، الذي اعتبر فيه اعتراض المحامين على مشروع القانون المنظم لمهنتهم محاولةً لـ«ليّ ذراع الدولة»، خارج منطق الأمن التشريعي وحدود انزلاقه نحو أمننة المحاماة. فهذه العبارة، في بنيتها السيميائية، لا تُحيل على اختلاف مهني مشروع، بل تُعيد تمثّل الخلاف التشريعي كتهديد للنظام العام، عبر تشخيص الدولة بوصفها كيانًا مهددًا، ونزع الصفة الدستورية عن المحاماة باعتبارها مكوّنًا أصيلًا في منظومة العدالة. وهكذا يُعاد تأطير المحامي لا كشريك في إنتاج العدالة، بل كفاعل ضاغط يُشتبه في نواياه، بما يفتح الباب لنزع الشرعية الحقوقية عن الفعل الاحتجاجي، وتحويله إلى موضوع ضبط وردع.
هذا المنحى ليس طارئًا، بل يجد جذوره في ممارسات سابقة، أبرزها محاولة فرض جواز التلقيح ضد كوفيد-19 على المحامين كشرط لممارسة مهنتهم، في وقتٍ لم تكن فيه الدولة نفسها قد أقرت الإلزامية القانونية للتلقيح. هنا يتجلى نفس المنطق بوضوح: توسيع مجال السلطة التنفيذية على مهنة منظمة دستوريًا، عبر إجراءات تتجاوز الإطار القانوني العام، وتُمارَس بشكل انتقائي. سيميائيًا، تُنزَل المحاماة منزلة الاستثناء القابل للتقييد، لا باعتبارها حقًا محميًا، بل بوصفها مجالًا مشروعًا للتجريب السلطوي باسم الصحة العامة تارة، وباسم هيبة الدولة تارة أخرى.
في الحالتين، يتكرر البناء السردي ذاته: الوزير يتقمص دور “الدولة”، ويُقدَّم مشروعه أو قراره باعتباره امتدادًا للسيادة، بينما يُؤوَّل اعتراض المحامين كمساس بها. والحال أن الدولة، في معناها الدستوري، ليست الوزير ولا الحكومة، بل هي منظومة مؤسسات وتوازنات وضمانات، في قلبها الحق في الدفاع واستقلال المحاماة. إن هذا الخلط بين الدولة وممثليها العابرين لا يعزز هيبتها، بل يفرغها من بعدها التعاقدي، ويحوّل الإصلاح التشريعي من أفق تشاركي لإنتاج الثقة، إلى أداة لإدارة التوجس وضبط السرديات.



