
الأنوار 24/ مصطفى المنوزي
يمثل نداء السيد نقيب هيئة المحامين بالدار البيضاء ، الأستاذ محمد حيسي ، نموذجًا دالًا على السردية المهنية بوصفها سردية دفاع عن المعنى، لا عن الامتياز؛ وعن الوظيفة، لا عن الوضعية. فهو لا يشتغل على خطاب المظلومية، بل على استدعاء الذاكرة النضالية للمحاماة، وتأكيد موقعها التاريخي كفاعل دستوري قائم بين الحق والسلطة، لا تابعًا لأيٍّ منهما. وفي هذا المعنى، فإن النداء لا يصف أزمة عابرة، بل يؤطر تحولًا سرديًا خطيرًا داخل منظومة العدالة، حيث يجري الانتقال من منطق الشراكة الحقوقية إلى منطق الضبط الأمني.
وتنسجم هذه السردية المهنية مع المعايير الدولية التي أقرتها الأمم المتحدة بشأن ضمانات ممارسة مهنة المحاماة، والتي تتجاوز بدورها فكرة الحماية التقنية لمهنة قانونية، لتكشف في عمقها طبيعة الدولة نفسها: هل هي دولة قانون تُنتج المواطنة، أم دولة ضبط تكتفي بتدبير النزاعات والتحكم الاجتماعي؟ فمكانة المحامي داخل منظومة العدالة ليست مسألة تنظيمية، بل مؤشر سياسي-دستوري على مستوى استقلال القضاء، ودرجة الثقة في المؤسسات، وحدود التوازن بين السلطة والحقوق. ذلك أن المحامي ليس فاعلًا محايدًا، بل شريكًا في صناعة المشروعية وترسيخ دولة الحق.
وتؤسس هذه المعايير لتحول نوعي من منطق حماية الشخص المهني إلى تحصين وظيفة الدفاع باعتبارها ركيزة مركزية للعدالة الديمقراطية. فحرية أداء المهام، وحرية التنقل والتواصل مع الموكلين، والحق في الاطلاع على الملفات، والحصانة في المرافعة، وسرية الاتصالات، ليست امتيازات فئوية، بل شروط بنيوية لضمان المحاكمة العادلة. وعندما تُفرَّغ هذه الضمانات من مضمونها، تتحول العدالة إلى إجراء شكلي، ويفقد القضاء دوره التربوي في بناء المواطن الحر والمسؤول.
غير أن السياق المغربي يكشف، من خلال الممارسة اليومية، عن فجوة مقلقة بين النص والواقع، حيث تتخذ أشكال التضييق طابعًا رمزيًا أو مؤسساتيًا أو إعلاميًا، يستهدف “المحامي المزعج” أكثر مما يستهدف المخالف للقانون. ويتجلى ذلك في عرقلة الولوج إلى المعلومة، وتأخير تسليم الوثائق، والتضييق في مفهوم الحصانة، والتوسع في مفاهيم فضفاضة من قبيل “المساس بهيبة المؤسسات” أو “النظام العام”. وهنا بالضبط تشتغل السردية الأمنية بدل السردية الحقوقية، ويُعاد تعريف الحياد القضائي ليصبح حيادًا انتقائيًا، يخدم منطق الضبط لا منطق الإنصاف، ويُنتج دفاعًا خائفًا بدل دفاع حر وجريء.
والخطر البنيوي لا يكمن فقط في الخروقات المباشرة لهذه المعايير، بل في تطبيعها، وتبريرها بخطاب الاستقرار، وتسويقها باسم حماية النظام العام، بما يحول الاستثناء إلى قاعدة، والتقييد إلى سلوك إداري عادي. وهو مسار ينذر، على المدى المتوسط، بتآكل الثقة في العدالة، وتراجع الأمان القانوني، وإضعاف قدرة المجتمع على إنتاج مواطنين أحرار وقادرين على المشاركة والمسؤولية.
من هذا المنظور، لا يمكن قراءة نداء هيئة المحامين باعتباره مجرد موقف مهني ظرفي، بل كجزء من معركة سردية أعمق: معركة بين تصورين للعدالة؛ عدالة تُنتج المواطن وتؤسس للثقة، وعدالة تُدار بمنطق الضبط وتُفرغ الحقوق من مضمونها. لذلك فإن الدفاع عن استقلال المحامي وحصانته ليس دفاعًا عن فئة، بل دفاع استراتيجي عن شروط قيام دولة الحق والقانون، وعن أفق عدالة تصنع المعنى قبل أن تُدبر الملفات.



