
الأنوار 24/ مصطفى المنوزي
في ظاهرها لعبة شعبية، وفي عمقها نظام معقّد لتدبير الانتباه والمعنى، لم تعد كرة القدم في الزمن المعاصر مجرّد ممارسة رياضية أو لحظة فرجة جماعية، بل تحوّلت إلى فضاء رمزي كثيف تتقاطع داخله عقلانية السوق، وآليات الهيمنة الناعمة، وحاجات الهوية والانتماء. تُدار اللعبة اليوم بعقل رأسمالي بارد يحصي الأرباح ويقيس الجدوى، وفي الآن ذاته تُستثار حولها مشاعر جياشة تُقدَّم بوصفها تلقائية، فيما هي في الغالب مُؤطَّرة ومُستثمَرة ضمن هندسة دقيقة للانفعال الجماعي.
مع تعميم الاحتراف وتغوّل الاستثمارات الكبرى، انتقلت كرة القدم من منطق اللعب إلى منطق الصناعة. صار النادي علامة تجارية، واللاعب أصلًا ماليًا، والمباراة منتوجًا عابرًا للحدود، تُقاس قيمته بحجم المتابعة والعائد الإعلاني أكثر مما تُقاس بجمالية الأداء أو بروحه الرياضية. غير أنّ الرأسمالية الرياضية لا تعمل على إلغاء العاطفة، بل على عقلنتها وإدماجها في دورة الإنتاج الرمزي، حيث يتحوّل الشغف إلى مورد، والانتماء إلى ولاء قابل للتسويق، والانفعال إلى رأسمال يُعاد تدويره باستمرار.
لكن هذه العقلنة القصوى لا تستقر دون تغذية مضادّة قوامها ما يشبه عبادة المشاعر. فكلما ازداد حضور الحساب والمنفعة، ازدادت الحاجة إلى استدعاء الأسطورة، والتاريخ، وخطاب الوفاء والهوية. تُبنى سرديات البطولة والمعاناة، وتُعاد هندسة الذاكرة الجماعية داخل المدرجات، حيث تتحوّل الهتافات إلى طقوس، والألوان إلى رموز، والفوز أو الهزيمة إلى اختبار وجودي يتجاوز حدود الرياضة. هنا تُدار المشاعر لا بوصفها انفلاتًا عفويًا، بل كطاقة اجتماعية تُستثمر في الضبط والتنفيس في آن واحد.
في هذا التواشج بين عقلانية الرأسمال واندفاع العاطفة، تتجسّد إحدى أكثر آليات التحكم المعاصرة نعومة وفعالية. فبدل الصراع السياسي المفتوح، يُقترح التنافس الرياضي؛ وبدل مساءلة الاختلالات البنيوية، يُمنح الجمهور شعور المشاركة والانتصار بالوكالة. تؤدي كرة القدم، بهذا المعنى، وظيفة تعويضية واضحة، إذ تسمح بتصريف التوترات وإعادة توجيه الغضب ومنح معنى مؤقت للانتماء في عالم يتآكل فيه اليقين وتضيق فيه آفاق العدالة الاجتماعية.
غير أنّ التفكير النقدي التوقعي يفرض تجاوز هذا التشخيص نحو أفق معياري بديل، يجعل من كرة القدم مختبرًا رمزيًا لإعادة طرح أسئلة التوازن والإنصاف والتنمية العادلة. فكما تُدار الموارد المالية بعقلانية صارمة، يمكن — بل يجب — أن تُدار الموارد الرمزية والبشرية بمنطق أكثر عدالة، يحدّ من التمركز المالي للأندية الكبرى، ويكسر دوائر الاحتكار، ويُعيد الاعتبار لتكافؤ الفرص، سواء بين الفرق أو بين الجهات أو بين الفئات الاجتماعية المستفيدة من الاستثمار الرياضي.
إن إدماج مطلب التوازن لا يعني معاداة الاحتراف، بل عقلنته أخلاقيًا، بحيث لا تتحوّل المنافسة إلى إعادة إنتاج للفوارق نفسها داخل الحقل الرياضي. كما أنّ الإنصاف يقتضي مساءلة سلاسل القيمة في كرة القدم، من تكوين الناشئة إلى توزيع العائدات، ومن شروط العمل إلى الحماية الاجتماعية للاعبين في الدرجات الدنيا، بما يجعل الرياضة رافعة للكرامة لا مجالًا للاستغلال المقنّع. أما التنمية العادلة، فتفتح أفقًا أوسع يربط كرة القدم بالسياسات العمومية في التعليم، والشباب، والمجال الترابي، ويجعل من الاستثمار الرياضي أداة إدماج وتنمية محلية، لا مجرد صناعة للفرجة والربح.
في هذا الأفق، لا تعود كرة القدم مجرد ملاذ عاطفي أو أداة ضبط، بل إمكانًا تربويًا ومجتمعيًا لإعادة بناء الثقة والمعنى. فالمدرّجات، بدل أن تكون فقط فضاءات للتنفيس، يمكن أن تصبح مدارس غير رسمية للمواطنة، والانضباط الجماعي، والاعتراف بالاختلاف. واللعبة، بدل أن تُختزل في نتيجة آنية، يمكن أن تُستثمر كأفق طويل المدى لتعلم القواعد، وقبول الخسارة، وربط النجاح بالعمل لا بالأسطورة.
هكذا، يقترح التفكير النقدي التوقعي نقل كرة القدم من منطق التدبير الظرفي للمشاعر إلى أفق استراتيجي يربط بين المتعة والعدالة، وبين الشغف والمسؤولية. فبين عقل الرأسمال وقلب الجماهير، لا يكمن التناقض في حدّ ذاته، بل في غياب ميزان قيمي يوجّه هذا التفاعل نحو الإنصاف والتوازن والتنمية العادلة. وعند هذا الحدّ، فقط، يمكن أن تستعيد كرة القدم معناها الإنساني العميق: لعبة تُمتع، وتُوَحِّد، وتُسهم — رمزيًا وعمليًا — في صناعة مستقبل أكثر عدالة واتزانًا.
وعلى سبيل الختم، يفرض هذا التحليل التنبيه إلى منزلق بالغ الخطورة يتمثل في انزلاق العقل الأمني نحو توسيع مجال الاشتباه ليشمل حق نقد الممارسة الرياضية وتقييم السياسات العمومية في قطاع الرياضة، تحت ذرائع فضفاضة من قبيل حفظ النظام العام أو الوقاية من الفوضى الرمزية. إن منع النقد، أو تضييق فضاءات التقييم والمساءلة، لا يحمي الاستقرار بقدر ما يؤسس لهشاشته، لأن حظر السؤال لا يلغي الاختلال بل يؤجله ويعمّقه. فالرياضة، بما هي مجال عام مؤثر في الوجدان الجماعي، لا يمكن إخضاعها لمنطق التحصين من النقد دون تحويلها إلى منطقة عمياء خارج الرقابة المجتمعية.
الأخطر من ذلك هو الدفع، بشكل مباشر أو غير مباشر، نحو تكريس تقديس الإدارة الوصية أو المفوَّض لها، وكأن تدبير الشأن الرياضي مجال فوق المساءلة، أو كأن النقد يُعدّ مساسًا بالهيبة بدل اعتباره شرطًا لتحسين الأداء وترشيد القرار. هنا يعود شبح منطق قديم بصيغة جديدة، يستعيد روح “ظهير كل ما من شأنه الإخلال بالنظام العام”، لا كنص قانوني صريح، بل كعقلية تدبيرية توسّع مفهوم الإخلال إلى حدّ تجريم الرأي، وتأطير الاختلاف، وتجفيف النقاش العمومي باسم الوقاية.
إن التفكير النقدي التوقعي، في هذا السياق، لا يعادي الأمن ولا يقلّل من أهميته، بل يحذّره من نفسه حين يتحوّل من ضامن للتوازن إلى منتج للاحتقان، ومن حارس للنظام إلى وصيّ على المعنى. فالأمن الحقيقي لا يقوم على إسكات النقد، بل على استيعابه؛ ولا على تحريم التقييم، بل على تنظيمه؛ ولا على تقديس المؤسسات، بل على ربط مشروعيتها بالمحاسبة والشفافية. ومن دون هذا الوعي، قد تتحوّل كرة القدم، بما تحمله من شحنة رمزية وعاطفية، من مجال للتنفيس المشروع إلى بؤرة توتر مكتوم، تُدار أمنيًا بدل أن تُحكم ديمقراطيًا.
وعليه، فإن حماية النظام العام لا ينبغي أن تكون ذريعة لتعليق الحقوق، بل أفقًا لضمانها؛ ولا وسيلة لتأبيد الوصاية، بل مدخلًا لترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع. فحين يُمنع نقد الرياضة، يُمنع ضمنيًا تعلم الاختلاف، وحين يُحظر تقييم قطاعها، يُغلق أحد آخر منافذ التعبير السلمي. وهذا بالضبط ما يجعل التحذير واجبًا، لا دفاعًا عن لعبة، بل صونًا لحق المجتمع في التفكير، والمساءلة، والمشاركة في صناعة المعنى.
مصطفى المنوزي
رئيس المختبر المدني للعدالة الإجتماعية



