سياسة

تحديد المفاهيم : ركيزة أساسية لترافع قانوني رصين حول استقلالية المحاماة وكرامتها

الأنوار 24/مصطفى المنوزي 

أحيي المستوى المتقدم للحوار النقدي الذي بلغه المحامون والمحاميات في تفاعلهم مع العملية التشريعية التي قادتها السلطة التنفيذية، وأقدر هذا الارتقاء وأعتز به. غير أن اكتمال هذا المستوى، وتعزيز قيمته المعرفية والترافعية، يقتضي بعض اللمسات التأهيلية والتحويدية، سواء على مستوى المنهجية أو على مستوى المفاهيم.

فكل حوار قانوني جاد يضمر، في عمقه، صراعًا فكريًا واصطلاحيًا ومفاهيميًا، وليس مجرد اختلاف في التقديرات أو المصالح. والمقاربة الرصينة هي التي تفترض وعيًا بأن التداول في المفاهيم ليس محايدًا، وأن أي خلط بينها يُفضي بالضرورة إلى اضطراب في التشخيص، ثم إلى انزلاق في وسائل المعالجة.

من هذا المنطلق، يصبح من الضروري التمييز بين مفاهيم كثيرًا ما تُستعمل وكأنها مترادفة، والحال أنها مختلفة في الطبيعة والوظيفة. فالاستقلالية، مثلًا، ليست مجرد هامش حرية ممنوح، بل هي مبدأ بنيوي مؤسِّس، يحدد موقع مهنة المحاماة داخل الدولة، ويعني قدرة المحامي، فردًا وهيئةً، على أداء وظيفته في الدفاع والترافع دون تبعية أو خضوع لأي سلطة تنفيذية أو سياسية أو مالية، وبولاء حصري للقانون وحقوق الدفاع والعدالة. والخلط بين الاستقلالية والحرية يُحوّل النقاش من مساءلة بنية السلطة إلى مطالب فردية قابلة للاحتواء.

أما الحرية، فهي قيمة وظيفية تهم شروط الممارسة اليومية، وتتجسد في تمكين المحامي من التعبير، والاختيار، واتخاذ المواقف المهنية دون خوف من التضييق أو الانتقام أو المتابعة التعسفية، مع بقائها، بطبيعتها، مقيدة بإطار القانون وأخلاقيات المهنة. وهي بهذا المعنى شرط لفعالية الدفاع، لا بديل عن الاستقلالية ولا مرادف لها.

وفي السياق ذاته، لا يجوز الخلط بين هذه القيم والمبادئ وبين الحصانة، التي لا ترقى إلى مستوى المبدأ ولا القيمة، بل تظل وضعية قانونية إجرائية، غايتها توفير ضمانات تحمي المحامي من الضغط أو الترهيب بسبب أدائه لمهامه المهنية، دون أن تشكّل امتيازًا شخصيًا أو إعفاءً من المساءلة. فالحصانة وُجدت لحماية الوظيفة، لا لتحصين الشخص.

أما الكرامة، فهي قيمة معيارية عليا، تتجاوز البعد الإجرائي والوظيفي، لتطال الاعتراف القانوني والمؤسساتي والرمزي بالمحامي كفاعل أساسي في تحقيق العدالة، لا كملحق تقني أو وسيط إداري. وتُقاس الكرامة ليس فقط بالنصوص، بل أيضًا بنبرة الخطاب الرسمي، وبكيفية التعامل داخل المحاكم، وبالمكانة التي تُمنح للمهنة ضمن السياسات العمومية ذات الصلة بالعدالة.

إن استيعاب هذه المفاهيم بوصفها كتلة متفاعلة عضويًا داخل منظومة إتيقية متكاملة، تربط بين الاستقلال والمسؤولية، وبين الحرية والمحاسبة، وبين الكرامة والواجب، هو شرط أساسي لتأهيل النقاش التشريعي والمهني. فالإتيقا هنا لا تُختزل في الأخلاق السلوكية الفردية، بل تُفهم كإطار معياري ناظم للعلاقة بين المهنة والدولة والمجتمع.

وعليه، فإن الحاجة إلى هذا التمييز ليست ترفًا نظريًا، بل ضرورة منهجية تفرضها مقتضيات التشخيص السليم؛ إذ إن لكل مبدأ أو قيمة منطقه الخاص، ولكل خلل أدوات تجاوز مختلفة، وأي إصلاح تشريعي لا يستحضر هذا التمايز يظل مهددًا بإنتاج حلول شكلية تعالج الأعراض، وتُبقي البنية العميقة للاختلال دون مساءلة.

إن الرهانات المطروحة اليوم على مهنة المحاماة، في سياق التحولات التشريعية والمؤسساتية الجارية، لا يمكن مواجهتها بردود فعل متفرقة أو بمقاربات انفعالية، مهما كانت مشروعية دوافعها. فهي رهانات بنيوية تستدعي توحيد الإمكانيات، وتنسيق الجهود، وتجاوز منطق التشتت لصالح أفق مهني جامع، قوامه الوعي بالمخاطر كما بالإمكانات.

كما أن الدفاع عن استقلالية المهنة وكرامتها لا يستقيم إلا بالتسلح بالمعرفة القانونية الرصينة، وبالوعي الحقوقي العميق الذي يربط النص بسياقه، والمبدأ بوظيفته، والحق بمسؤوليته. فالمعرفة هنا ليست ترفًا نخبويًا، بل أداة ترافع، وسلاحًا مشروعًا في مواجهة الاختزال والتدليس التشريعي، وضمانة ضد الانزلاق نحو مواقف غير محسوبة الأثر.

وإذ يظل الحس المهني المسؤول شرطًا لا غنى عنه، فإنه يقتضي استحضار المصلحة العامة للعدالة، وربط الانتماء المهني بالولاء للدستور وسيادة القانون، بعيدًا عن أي توظيف ظرفي أو حسابات ضيقة. فالمحاماة، في جوهرها، ليست مجرد مهنة حرة، بل وظيفة مجتمعية تساهم في تحصين الحقوق والحريات، وفي ترسيخ الثقة في العدالة باعتبارها أساس الاستقرار وشرطًا للتنمية.

إن هذه اللحظة تضع الجسم المهني أمام مسؤولية تاريخية: إما الارتقاء بالفعل الجماعي إلى مستوى التحديات، أو ترك المجال لإصلاحات مفروضة تُدار بمنطق الضبط لا بمنطق الشراكة. ومن ثم، فإن وحدة الصف، وتكامل الأدوار، والترافع المؤسس على المعرفة والوعي والمسؤولية، تظل السبيل الأنجع لصون المهنة، والدفاع عن موقعها الطبيعي داخل دولة الحق والقانون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى