الدفاع عن الدفاع أو حين تصبح المحاماة خطًا أحمر ومعركة وجود

الأنوار 24/ مصطفى المنوزي
من الناحية المبدئية ، لا يحق لأي جهة، كيفما كانت، أن تُسخّر المال العمومي لتمويل خطاب إعلامي يروم مناهضة حق المحامين في الدفاع عن حقوقهم المكتسبة قبل مطالبهم المشروعة. فالأمر هنا لا يختزل في مجرد خرق دستوري أو انزلاق تدبيري معزول، بل ينطوي على محاولة مقلقة لإفراغ الحق في الدفاع من مضمونه، وتحويله من ضمانة وجودية إلى امتياز قابل للمساومة. نحن أمام مسعى رمزي لإقبار الشرعية الاحتجاجية ذاتها، عبر نزع المشروعية عن الدفاع الشرعي عن الحق في الوجود المهني والمؤسساتي، بما يحوّل النقاش من مساءلة السياسات العمومية إلى تأديب الأصوات الناقدة، ومن تدبير الاختلاف إلى هندسة الإخضاع ؛ وفي هذا التحول يكمن الخطر الحقيقي، لأنه لا يهدد المحاماة وحدها، بل يمس جوهر دولة الحق والقانون، ويقوض الأسس الأخلاقية للوساطة الإعلامية، ويفتح الباب أمام تطبيع الإقصاء بدل تدبير التعدد.
في هذا السياق يكتسب شعار “المحاماة خط أحمر” دلالته العميقة، باعتباره ليس دفاعًا عن مصالح فئوية ضيقة، ولا تعبيرًا عن نزعة مهنية انعزالية، بل إعلانًا رمزيًا عن كون المحاماة شأنًا عامًا بامتياز، إن لم نقل شأنًا سياديًا بالمعنى القيمي والمؤسساتي للكلمة. فالمهنة ليست نشاطًا حرًا محضًا، بل مؤسسة منظمة بقانون، ومؤطرة تاريخيًا بظهير ملكي، بما يضفي عليها بعدًا تأسيسيًا يجعل المساس بها مساسًا بالتوازنات الكبرى التي يقوم عليها البناء الدستوري والعدلي للدولة. كما أن التعديلات التي أدخلت عليها عبر مشاريع قوانين عادية تطرح، في حد ذاتها، أسئلة دقيقة حول مبدأ توازي الشكليات، وحول احترام منطق التدرج في القواعد القانونية، وهو ما يضفي على النقاش طابعًا مؤسساتيًا يتجاوز الحسابات الظرفية والرهانات القطاعية.
غير أن الوعي الذي صاغ هذا الشعار جعل منه صيغة ذكية ومتزنة، إذ لم يُرفع من باب التقديس المهني أو العصمة الرمزية، ولم يُصَغ في شكل “المحامون خط أحمر”، بل في صيغة “المحاماة خط أحمر”، إدراكًا للفارق الجوهري بين الرسالة والمؤدين لها. فالمحاميات والمحامون، باعتبارهم بشرًا، غير معصومين من الخطأ والغلط والانزلاق، والعقلاء منهم يدركون أن تخليق الحياة المهنية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واحترام القانون وأخلاقيات المهنة، هي شروط لا غنى عنها لصيانة هذه الرسالة وحمايتها من التآكل الداخلي. لذلك فإن أي استثناء يشذ عن القاعدة العامة لا يمكن أن يُتخذ ذريعة لتشويه المهنة برمتها، ولا لتسويغ محاصرتها رمزيًا ومؤسساتيًا، لأن منطق التعميم هنا ليس سوى أداة للضبط والابتزاز وتبرير الإقصاء.
من هذا المنظور، يصبح الالتفاف الجماعي حول شعار “المحاماة خط أحمر” واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا، لا مجرد رد فعل نقابي. فالالتفاف حول الشعار يعني الدفاع عن وظيفة الدفاع نفسها، وعن الحق في المحاكمة العادلة، وعن توازن السلطة داخل الفضاء القضائي. أما الالتفاف عليه، عبر التجاهل أو التبخيس أو الاستهتار بمصير المحاماة، وتسخير مختلف الوسائط الإعلامية لإضعاف شرعيتها، فلا يؤدي إلا إلى تقويض منظومة القيم التي تستند إليها العدالة، وإلى تعريض الثقة العمومية في القضاء لمخاطر التفكك، بما ينعكس مباشرة على المواطن، باعتباره الغاية النهائية لكل إصلاح عدلي مفترض.
وفي هذا الإطار، تثير الحملة المفتوحة التي يقودها بعض الإعلام، الممول من المال العمومي، أسئلة مقلقة حول أخلاقيات المهنة الإعلامية وحدود استقلاليتها. فهناك خلط ممنهج بين المحاماة كرسالة سامية، وبين بعض ممارسات المحامين وسلوكاتهم الفردية، في سياق عام يتسم بتفشي مظاهر الفساد في مختلف القطاعات، عموديًا وأفقيًا، باستثناءات محدودة داخل بعض المؤسسات الحيوية التي ما تزال تقاوم مخاطر العدوى في ظل تحديات بنيوية ومركبة. والمؤسف أن هذا الإعلام، بدل أن ينخرط في تفكيك أسباب الفساد البنيوية، وفي مساءلة السياسات العمومية والاختلالات العميقة، يختار الطريق الأسهل: شيطنة المحاماة، وتغذية الصور النمطية، وتحويلها إلى كبش فداء رمزي لتبرير أعطاب منظومة أعقد وأوسع.
هنا تتجلى خطورة توظيف الإعلام كأداة لإعادة هندسة الوعي الجمعي، لا عبر إنتاج النقاش العمومي الرصين، بل عبر صناعة سردية إقصائية تُجرِّم الاحتجاج، وتُفرغ الدفاع من معناه، وتُحول الحق في الوجود المهني إلى امتياز مشروط بالامتثال والصمت. وهي سردية لا تستهدف المحاماة في ذاتها بقدر ما تستهدف وظيفتها التاريخية كقوة اقتراحية، وكجسر بين المجتمع والدولة، وكفاعل مركزي في معادلة العدالة والحقوق والحريات.
إن الدفاع عن المحاماة اليوم هو دفاع عن المجتمع في مواجهة منطق التدجين، وعن الدولة في مواجهة نزعاتها السلطوية الكامنة، وعن العدالة في مواجهة خطر الاختزال الإجرائي والتقني. ولذلك فإن معركة “المحاماة خط أحمر” ليست معركة المحامين وحدهم، بل معركة كل من يؤمن بأن دولة القانون لا تقوم فقط على النصوص والمؤسسات، بل على القيم والمعاني والرموز التي تمنحها مشروعيتها التاريخية والأخلاقية. وفي غياب هذا الوعي، يصبح من السهل التضحية بالمهنة، ولكن من الصعب جدًا ترميم ما سينهار بعدها في بنيان العدالة والثقة العمومية.



