سياسة

مرة أخرى نجحنا ولم ننتصر ، فمن حق الأطراف أن تحفظ ماء الوجه

الأنوار 24/ مصطفى المنوزي

مهما اختلفت الصياغات وتعدّدت المقترحات، يظلّ جوهر المطلب واضحًا: تجميد إحالة مشروع القانون على البرلمان إلى حين تهيئة شروط نقاش هادئ ومسؤول، وإلى حين التوصل إلى توافق فعلي مع جمعية هيئات المحامين، التزامًا بما أعلن عنه رئيس الحكومة صراحة. فالمسألة لا تتعلق بتفاصيل تقنية أو مخارج شكلية، بل بخيار سياسي ومؤسسي يروم ربح الزمن الديمقراطي وتفادي تحويل التشريع إلى عامل توتير وصدام داخل منظومة العدالة.

وسابقة معركة جواز التلقيح تظل حاضرة بقوة في هذا السياق؛ إذ لم يكن التراجع آنذاك هزيمة للسلطات، بل مكّنها من حفظ ماء الوجه عبر الإنصات لاحتجاج منتج، أثبت أن الضغط المنظم والمعلَّل لا يحرج الدولة بقدر ما يساعدها على تصحيح القرار وتفادي كلفة الإصرار. لقد كان الاحتجاج حينها شريكًا في الحل، وأسهم في إعادة توجيه القرار نحو مخرج أكثر اتزانًا.

إن الالتزام الحكومي بتأجيل المشروع إلى حين التوافق مع جمعية هيئات المحامين يفترض احترامه وترجمته إلى قرار واضح لا لبس فيه، لأن أي التفاف عليه، سواء بالإبقاء على المشروع في مسار الإحالة أو بإعادة تقديمه بصيغ ملتوية، من شأنه أن يقوض الثقة ويعيد إنتاج مناخ التوتر، ويحوّل الخلاف من نقاش قانوني إلى أزمة مؤسسية مفتوحة.

من هذا المنظور، فإن التجميد المؤقت لا يمس بهيبة المؤسسات ولا بالاختصاص التشريعي، بل يعكس وعيًا بضرورة التشاركية واحترام التوازن بين السلطات، ويحول دون ترسيخ قانون يولد في سياق مشحون. فالإمعان في الاستعجال لا ينتج تشريعًا سليمًا، بل يفتح الباب أمام صراع سرديات كان يمكن تفاديه بالحكمة والإنصات.

إن الرهان اليوم ليس انتصار صيغة على أخرى ولا تسجيل نقاط ظرفية، بل ترجيح منطق التعقل على منطق العناد، واحترام الالتزامات السياسية المعلنة، بما يكرّس منطق الدولة التي تصغي، ويؤكد أن التشريع حين يمس ركائز العدالة لا يُنجز بالإكراه، بل بالحوار والثقة والمسؤولية المشتركة. وليكن ما شاؤوا فإن عادوا عدنا . 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى