حين يسند العلم الى غير اهله …؟

الأنوار 24/ عبد العزيز بن صالح
وأنا أتسكّع في الفيسبوك، قفز في وجهي برنامج تلفزيوني اجتمعت على مائدته ثلة مما يُسمّون اليوم «مؤثرين» و«فنانين»، يناقشون—بكل خفة مدهشة—موضوعًا يُصنَّف في صميم حقل العلاقات الدولية: ما سُمّي بـ«مجلس السلام» وانخراط المغرب فيه. وللوهلة الأولى، قد يظن المتلقي أننا أمام نقاش وطني رصين حول خيار استراتيجي دقيق، لكن سرعان ما يتبدد هذا الوهم حين يتضح أن ما يُقدَّم ليس تحليلًا، بل ثرثرة فارغة تتقمص هيئة الرأي.
العلاقات الدولية ليست دردشة مقهى، ولا مادة للارتجال التلفزيوني. هي حقل معرفي شديد التعقيد، يقوم على تراكم تاريخي، وفهم لموازين القوى، ولمصالح الدول، ولنظريات راسخة من الواقعية إلى الليبرالية، ومن توازن الردع إلى القوة الناعمة. أن يُسلَّم هذا النقاش لغير المختصين، بل لأشخاص لا يملكون الحد الأدنى من الأدوات المفاهيمية، فذلك ليس مجرد خطأ إعلامي، بل استخفاف بعقل المجتمع وبموقع الدولة نفسها.
المقلق ليس فقط ضحالة ما قيل، بل المنطق الذي يحكم الاختيار: من يملك عددًا أكبر من المتابعين يصبح مؤهلًا للحديث في الاستراتيجيا، ومن يتقن صناعة «الترند» يُمنح سلطة تفسير السياسات الدولية. هكذا تُستبدل المعرفة بالشهرة، والتحليل بالانطباع، والعلم بالضجيج. والنتيجة: هراء يخرج من عقول فارغة، يُقدَّم للمشاهد على أنه وعي، وهو في الحقيقة تضليل ناعم.
الأدهى من ذلك أن هذا المشهد يوحي وكأن المغرب أصبح صحراء فكرية: لا أكاديميون متخصصون، لا باحثون في الجيوبوليتيك، لا دبلوماسيون سابقون، لا نخبة حزبية قادرة على النقاش، ولا جامعات تنتج معرفة يُعتدّ بها. وهو إيحاء خطير، لأنه غير صحيح، لكنه يعكس سياسة إقصاء ممنهجة للعقل النقدي لصالح الواجهة السطحية.
حين يُعهد النقاش في القضايا الطازجة والحساسة إلى الجهلة وأنصاف المتعلمين، فنحن لا ننحدر فقط في مستوى النقاش، بل نؤسس لانحدار أعمق في الوعي الجماعي. فالدولة التي تُناقَش خياراتها الاستراتيجية بلغة التفاهة، تُخاطر بأن تتحول هي نفسها إلى موضوع للتفاهة في نظر الآخرين.
ما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من «المؤثرين» في السياسة، بل عودة الاعتبار للمعرفة، وللتخصص، وللمسافة الضرورية بين الرأي والمعرفة. أما غير ذلك، فليس إلا انحدارًا ناعمًا… لكنه ثابت، وخطير.



