الكونفدرالية العامة للشغل (CGT) تدق ناقوس الخطر من جديد

الأنوار 24
عقد المكتب المركزي المنضوي تحت لواء الكونفدرالية العامة للشغل (CGT) اجتماعه العادي بالرباط يوم الأربعاء فاتح أبريل 2026، في وقت يعيش فيه العالم تحولات عميقة وخطيرة أهم سماتها العامة استئساد منطق القوة، وفقدان السياسة لنبلها وأخلاقها المتعارف عليهما كونيا، في تطبيع واضح وممنهج مع خطاب الكراهية، الذي ينهل من ثقافة مبتذلة ورديئة تستعمل فيها لغة ساقطة، تؤشر على درجة الانحطاط التي وصل إليها الخطاب السياسي والسياسيين.
اليوم، العالم يعرف حالة من التيه والعجز بخصوص موضوع التدبير العقلاني للسياسة العالمية في إطار الاحترام، والايمان بالممارسة الديمقراطية وتدبير الاختلاف، والعمل على صون كل ما راكمته البشرية من قيم إنسانية لبناء مجتمعات تقطع مع الظلم والعبودية. إلا أنه مع الأسف، ما يحصل حاليا هو النقيض تماما والذي يكشف الوجه الحقيقي لجشع وجبروت الرأسمال، مما يثبت ويؤكد، مما لا يدع مجالا للشك، أن أمريكا كانت دوما وستبقى عدوة الشعوب بما في ذلك الشعب الأمريكي. وعلى هذا الأساس، إذا كنا نفهم الصراع الظاهر حاليا من أجل عالم متعدد الأقطاب، فلا يمكن أن نفهم كيف تداس كل القوانين والأعراف الدولية؟ وكيف تضرب الهيئات الأممية وكل مؤسساتها عرض الحائط؟ مما يطرح سؤال الاستمرارية.
بالفعل ، العالم يعيش مرحلة من التوتر لم يسبق لها مثيل، أشكال جديدة لإذلال الشعوب. فعلى سبيل المثال لا الحصر، ما يقع من حرب وتقتيل وإبادة في حق الشعب الفلسطيني، والتي كان آخر مسلسلاتها قانون إعدام السجناء الفلسطينيين، والحرب في لبنان وإيران، وقبل كل ذلك، ما وقع في فنزويلا واختطاف رئيسها، والضغوطات المفروضة على كوبا، وهي بالمناسبة ممارسات لا يمكن لأحد أن يختلف في إدانتها واستنكارها، رغم اختلافنا مع الأنظمة وطريقة حكمها، لأننا وبكل بساطة نؤمن بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وأن الديمقراطية لا تتحقق عن طريق المدافع والصواريخ بل باحترام القانون وسيادته.
إن واقع الحال يؤكد جليا أن أمريكا وإسرائيل مستمران في إعلان الحرب على الجميع، كما تنكرا للغرب وقاما بعزله، وأن دول الخليج التي سلمت أمرها لأمريكا لحمايتها تجد نفسها اليوم عارية وبدون حماية، بل أصبح حكامها في موقع الذل حيث أصبحوا أضحوكة أمام أنظار العالم.
مع الأسف، أصبحت كل الشعوب تعيش تبعات هذه الحرب وتكتوي بنيرانها، حيث شهدت الأسعار ارتفاعا مهولا وفي جميع القطاعات بدون استثناء، ناهيك عن غياب الأمن والطمأنينة، الشيء الوحيد الذي يلق ضالته في هذه المأساة هي صناعة الحرب التي تحقق الأرباح الطائلة، وكل السماسرة الذين يدورون في فلكها ويقتاتون من دماء القتلى والخراب والدمار التي تتركه وراءها.
أما في المغرب، فقد عشنا قبل هذه الحرب حروبا أخرى قامت حكومتنا اللاشعبية بشنها علينا من خلال مجموعة من السياسات العمومية المجحفة، فعموم الشعب المغربي يعيش الفقر والخصاص، وأقلية تستبيح كل ثروات الوطن خارج كل الضوابط والقوانين، بلد غني بثرواته: الفلاحية، والمعدنية، والمنجمية، والفوسفاط، والثروة السمكية، … إلخ. لكن الغريب في الأمر، أن مداخيل كل هذه الثروات الطبيعية لا نعرف كيف تصرف؟ ومن المستفيد منها؟
إن واقع الحال، يؤكد مما لا مجال للشك، أن الدولة المغربية تخلت عن أدوارها الاجتماعية مستكملة مسلسل الخوصصة في انسجام تام مع توصيات صندوق النقد الدولي، حتى القطاعات الاجتماعية التي من المفروض أن تسهر الدولة على تدبيرها وتأهيلها للقيام بالأدوار المنوطة بها خدمة للمواطنين، لم تسلم من هذه التفويتات، في قطاعات التعليم، والصحة، والكهرباء والماء، … إلخ، فاسحة المجال للفساد ليصبح قاعدة وجزء من تدبير يومي للشأن العام، ملفات كبرى مازالت مطروحة لحد الآن دون جواب، المغرب الأخضر، دون تكليف نفسها عناء القيام بعمليات التقييم وتقديم الحساب لتحقيق مفهوم ربط المسؤولية بالمحاسبة المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية، ناهيك عن ملف المحروقات و17 مليار وعدم السماح بإحداث لجنة التقصي بالبرلمان، وملف الدعم المقدم لحل مشكل القطيع وارتفاع أسعار اللحوم، وما خلف ذلك من استياء حتى أصبح يعرف هؤلاء الانتهازيين ب “الفراقشية”، وملف ضحايا زلزال الحوز وطريقة تدبيره الارتجالية، وملف نزع الملكية وإفراغ السكان من منازلهم وقيمة التعويض، وحاليا ملف الفيضانات وطريقة تحديد المناطق المنكوبة والتعويضات، وملفات كثيرة تساءلنا اليوم تظهر حجم الفساد في ظل غياب المساءلة والمحاسبة وضياع حقوق الشعب المغربي، يضاف إلى كل هذا حكومة مبلقنة وفاقدة لسلطة القرار، يجسد رئيسها زواج سلطة المال والسياسة.
وأمام هذا الواقع، يطرح من جديد وككل مرة، السؤال الذي لم يكتب له حتى الآن أن يلق إجابة أو تفاعلا حقيقيا من قبل من فرضوا أنفسهم أوصياء على هذا الشعب المثقل بالضغوط، ألا وهو حق الشعب المغربي وطبقته العاملة في ثروة بلاده؟ مقابل حوارات اجتماعية صورية وبدون نتائج ملموسة، تسعى الدولة لتسويقها بمنطق أنها دولة المؤسسات، لكن حقيقة الأمر أن الاحتجاجات أصبحت واقعا يوميا للشارع المغربي، احتجاجات كل الفئات في القطاعين الخاص والعام ممتدة في الزمان والمكان، ورغم النتائج الهزيلة فإن الدولة لا تفي بالتزاماتها، فالمنطق السائد عند معظم العاملين بالقطاع الخاص هو قانون الغاب، حيث يسود الاستغلال في أبشع صوره، ضياع لحقوق الشغيلة، وعدم الاكتراث لاحترام بنود مدونة الشغل على علاتها ، غياب التصريح بالعمال لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ناهيك عن التسريحات بالجملة في حالة الانتماء والتنظيم النقابي، وإغلاق المعامل والمقاولات دون سند قانوني، وتشريد العائلات وعدم السهر على ضمان الاستقرار الوظيفي، والدولة في موقع المتفرج كأنها غير معنية بهذا البؤس والاستهتار، صناديق التقاعد مقبلة على الإفلاس نتيجة تدبير سيء، والدولة تتهرب من مسؤوليتها وتبحث عن حلول على حساب الموظف والمتقاعد لتضاعف من تفقيرهما.
إن المغرب هذه السنة مقبل على محطة أخرى من الاستحقاقات الانتخابية في غياب لأي تقييم أو مسائلة لأولئك الذين دبروا المرحلة، حكومة مبلقنة وفاقدة لسلطة القرار، تجسد سياسة مملات من طرف أصحاب القرار مما يزيد من ابتعاد الشعب المغربي وعزوفه عن السياسة. ومن هذا المنطلق، فإن الكونفدرالية العامة للشغل (CGT)، كجزء من الشعب المغربي وطبقته العاملة وقواه الحية ومساهمة منها تتقدم ببعض المقترحات من أجل إنقاذ البلاد من كارثة حقيقية:
− إقرار الدولة بفشلها، والعمل على خلق شروط حقيقية لمصالحة وطنية تهم كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وكذا المصالحة مع الجهات ومع الشعب المغربي وتاريخه، وأن تجعل من تصفية الأجواء المدخل الرئيسي الأساسي، وذلك بإطلاق سراح كل معتقلي الرأي ومعتقلي الحركات الاحتجاجية، وعلى رأسهم، معتقلي حراك الريف،
− العمل على إرجاع النبل للعمل السياسي، وترك فضاءه للفاعلين السياسيين الغيورين على الوطن لا لسماسرة الانتخابات والحد من دور الدولة في تفريخ الأحزاب السياسية وحمايتها والابتعاد عن تهميش الأحزاب الديمقراطية وترويضها لأن الامعان في قتل الهيآت الوسيطة يفضي إلى تدمير الدولة وتفكيك مؤسساتها،
− تشجيع العمل النقابي الجاد، ورفع وزارة الداخلية اليد على الحق في التنظيم والتوسع، واعتبار الفاعل النقابي شريكا أساسيا في بناء الدولة واقتصادها، وتجنيب البلاد حالة الاحتقان التي نعيشها،
− صيانة ثروة البلاد وجعل تدبيرها يتسم بالشفافية، وضمان الحق لكل أفراد الشعب المغربي فيها، ومطالبة كل الذين نهبوا أموال الشعب المغربي بدون حق، بإرجاعها إلى خزينة الدولة، والعمل على القطع مع سياسة الريع،
− سلك سياسة عمومية جوهرها الاهتمام بالمواطن وجعل التعليم العمومي والصحة العمومية حق من حقوق المواطنة لتحقيق إقلاع اقتصادي حقيقي، والالتحاق بركب الدول النامية من أجل مجتمع تسوده الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
وفي الأخير، نريد أن نختم هذا البيان بنوع من التفاؤل والأمل، ألا وهو أن الشعوب لا تقهر، وأن التغيير آت لا محالة.
عن المكتب المركزي
الرباط في فاتح أبريل 2026




