الحكم الذاتي: الذكاء الترابي وجبر الضرر المجالي

مصطفى المنوزي
كنا دائما نتساءل كيف نعكس تلازم السيادة و العدالة الانتقالية، من منظور توقعي يستحضر معطى الذكاء الترابي وإبراز واستحضار دور الفاعل الحقوقي في استكمال العدالة الانتقالية
في سياق الحكم الذاتي في ظل السيادة المغربية ؛ وقد أتيحت للمغاربة والمغاربيين فرصة تحقيق المراد بخلق نواة صلبة ، لفك عقدة تجزئة المغرب الكبير ؛ من هنا كان لابد وأن نقر بأنه لا يمكن مقاربة الحكم الذاتي في ظل السيادة المغربية باعتباره مجرد هندسة مؤسساتية أو ترتيب إداري متقدم، بل هو قبل ذلك مشروع تحولي مركّب يختبر قدرة الدولة والمجتمع على إعادة بناء العلاقة مع المجال، ومع الذاكرة، ومع المستقبل. وفي هذا الأفق، يبرز الذكاء الترابي كإطار ناظم، لا يكتمل إلا بدور فاعل حقوقي متجدد يعمل على استكمال مقتضيات العدالة الانتقالية، خاصة عبر حفظ الذاكرة وجبر الضرر الترابي. فالذكاء الترابي لا يختزل في حسن تدبير الموارد أو تحسين مؤشرات التنمية، بل يفترض امتلاك كفاءة جماعية على قراءة التراب باعتباره مجالًا ماديًا، وحمولة تاريخية، وفضاءً للسرديات المتنازعة. وهو ما يجعل من الأقاليم المعنية بالحكم الذاتي مختبرًا لإعادة تركيب العلاقة بين الدولة والمجال، بين المركز والهوامش، وبين السيادة والأمن والتنمية. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل الذكاء الترابي عن سؤال العدالة الانتقالية غير المكتملة. إذ إن التجربة المغربية، رغم ما راكمته من مكتسبات، ركزت أساسًا على جبر الضرر الفردي والجماعي، بينما ظل الضرر الترابي – بما يحمله من تهميش تاريخي، واختلالات مجالية، وإقصاء رمزي – أقل معالجة. وهنا يبرز الدور النوعي للفاعل الحقوقي، لا كراصد للخروقات فقط، بل كفاعل يشتغل على المعنى، والذاكرة، والتعاقد ؛ وإن حفظ الذاكرة، في هذا الأفق، لا يعني استدعاء الماضي بمنطق الشكوى أو الاستثمار في المظلومية، بل تحويل الذاكرة إلى أداة اعتراف ومسؤولية، تمنع تكرار الانتهاكات، وتحصّن المجال من التوظيف الأمني أو السياسي الضيق ؛ وبالتالي فإن دور الحقوقي هنا هو حماية الذاكرة من التقديس ومن النسيان معًا، ومن الهيمنة الرمزية للسرديات الأمنية ؛ وضمان إدماجها ( أي الذاكرة ومقاربتها حقوقيا ) في السياسات العمومية باعتبارها موردًا للثقة ولإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجال. أما جبر الضرر الترابي، فلا يمكن اختزاله في مشاريع تنموية معزولة أو في منطق التعويض التقني، بل هو مسار يعيد الاعتبار للتراب كفاعل، من خلال:
* رد الاعتبار الرمزي والتاريخي للمجالات المتضررة؛
* إشراك الساكنة في تحديد أولويات التنمية؛
* ربط الاستثمار بالحقوق الثقافية، والبيئية، والاجتماعية؛
* وضمان عدم تكرار الضرر عبر إصلاح الحكامة المجالية وأنماط اتخاذ القرار.
وفي هذا الإطار، يتحول الفاعل الحقوقي من موقع المراقبة الاحتجاجية إلى موقع الوساطة الاستراتيجية: كوسيط بين الذاكرة والمؤسسات، بين السيادة والحقوق، وبين الأمن والتنمية،
وبين السرديات المتنازعة داخل المجال الوطني.
وبذلك، يصبح الحكم الذاتي ليس فقط أفقًا سياسيًا، بل فرصة لاستكمال عدالة انتقالية توقعية، تُدمج فيها الذاكرة وجبر الضرر الترابي ضمن مشروع وطني جامع، يُعيد تركيب السيادة على أسس ذكية، ويحوّل التراب من موضوع ضبط إلى رافعة للثقة، والاستقرار، والاستدامة المستقبلية.



