سياسةفن و ثقافة

البوليفارية في مواجهة الامبريالية

الأنوار 24/ د / موفق محادين

منذ أن راحت فنزويلا تتحرر من الهيمنة الامبريالية لليانكي الأمريكي الشمالي وتشكل بؤرة جديدة لقارة لاتينية على طريق بوليفار وكاسترو وجيفارا وتشافيز والليندي، وهي هدف ثابت لهذه الامبريالية ودسائسها وحملاتها ومؤامراتها التي لم تترك أداة أو أسلوبا إجراميا إلا واستخدمته ضد كاراكاس وجمهوريتها البوليفارية. 

فمن الحصار ونهب النفط إلى الابتزاز وصناعة الثورات الملونة والمضادة، إلى الذرائع الواهية، حتى أن مؤسسة مثل نوبل أصبحت أداة طيعة أيضا في خدمة واشنطن، بل أنها أظهرت دائما استعدادات مماثلة بمنحها جوائز لمنشقين مبرمجين في الدوائر الامبريالية، في مواجهة إيران والصين وأخيرا فنزويلا، ولم يكن ذلك انتقاما وردا على دولة قررت استعادة كرامتها وسيادتها على مواردها وقرارها وحسب، بل في سياق أعم وأوسع ويتعلق بالرسالة التي قررت فنزويلا وقادتها، تشافيز ومادورو، تبنيها وتعميمها في أرجاء القارة الجنوبية والوسطى، وهو ما يذكرنا بالتجربة الناصرية حين تحولت القاهرة إلى قاعدة لحركة التحرر العربية والأفريقية. 

نعرف أنه كما القارات والأمم الأخرى، ارتبطت تاريخ أمريكا اللاتينية، الجنوبية والوسطى، بالصراع مع قوى الاستعمار الأوروبي القديم ثم الجديد ممثلا بالولايات المتحدة الأمريكية، وكانت البداية مع التداعيات الدولية لسقوط الأندلس وبدايات الاستعمار الأوروبي وصعود شبه الجزيرة الايبيرية، البرتغال وأسبانيا بالتزامن مع عالم الاكتشافات الجغرافية وتطور صناعات السفن وخروجها من البحار إلى المحيطات.

في تلك الحقبة كان الفاتيكان سيد العالم الأوروبي الذي لم يتخلص بعد من نمط الإنتاج الإقطاعي، البيئة الموضوعية لهيمنة الكنيسة الباباوية، فكان على ملوك أسبانيا والبرتغال أخذ مباركة البابا على مشاريعهم التوسعية، وقد كان العالم كله بالنسبة للبابا أرضا واحدة منذورة لمشيئته كممثل للعناية السماوية، وله وحده الحق بالتصرف بأي قطعة من الأرض وإضفاء طابع مقدس عليها، وانطلاقا من ذلك قام بتقسيم الكرة الأرضية بين شمال لملوك أسبانيا وجنوب لملوك البرتغال. 

كما ارتبط الغطاء الايديولوجي لهذه الحملات ببعد نظري آخر دشّن ما يعرف بالمركزية الثقافية الغربية، التي تنطلق من فكرة عنصرية تحيل شمال العالم إلى الحضارة مقابل الجنوب البربري، الذي يحتاج إلى تمدين بل إلى إبادة، فالأرض لا تتحول من جغرافيا موحشة في الخطاب الباباوي والغربي بدون تطويبها من الغرب المقدس، ويظل أهلها سكانا أصليين (أدنى من مفهوم الشعب) في خدمة الرجل الأبيض سواء على شكل عبيد في الأرض وتجفيف المستنقعات في الحقبة الرأسمالية الأولى أو على شكل عمال في المصانع في الحقبة الامبريالية من الرأسمالية. 

أيضا، فيما يخص أمريكا الجنوبية والوسطى تحديدا، استغل الاستعمار الأسباني والأوروبي عموما ثقافة سائدة عند شعوب هذه القارة، وهي تكديس الذهب بانتظار آلهة بيضاء وتكريمها بالذهب عند ظهورها من قلب البحر، مما شكل عاملا آخر من عوامل غزو هذه القارة وإبادة شعوبها ونهبها، ويقدر عدد الذين قتلهم الاستعمار الأوروبي واليانكي للقارتين، الشمالية والجنوبية من الشعوب بحوالي خمسين مليون قتيل تم دباغة جلود بعضهم كما جرى مع (البوفالو) – الجاموس البري.

بعد الثورة الفرنسية تصدعت وحدة المستعمرين الأوروبيين في كل العالم واستغلت فرنسا عمليات النهب والذبح الجماعي في أمريكا اللاتينية، ورسمت تقاطعات مع المقاومة فيها كما مع المستعمرات البريطانية في أمريكا الشمالية وما تبقى من الهنود الحمر في كندا (كويبيك). 

إلى ذلك، تظهر امبريالية جديدة في الجانب الشمالي من القارة الأمريكية وتدخل في دائرة الصراع على موارد وأسواق القارة الجنوبية، هي الامبريالية الأمريكية وتطلق استراتيجيتها العالمية باسم ملء الفراغ، أي أخذ دور الامبرياليات الأوروبية، والتي تذكّر بمبدأ ايزنهاور في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية الذي طرحته واشنطن لإقصاء لندن وباريس وإلحاقهما بالدور الأمريكي. 

في أمريكا اللاتينية ارتبط هذا الشعار المبكر (عدم التدخل الأوروبي بالقارّة) باسم الرئيس الأمريكي “مونرو” (1758 – 1831)، لكنه سرعان ما سقط أمام مناخات وأشكال أكثر نهبا وبشاعة وإجراما من الأوروبيين، وكرّس في هذه القارّة أنظمة ديكتاتورية دموية مرتبطة بالاحتكارات الأمريكية، صارت أيضا موضوعا لحقل روائي عالمي باسم أدب أمريكا اللاتينية. 

هذه هي الصورة العامة لمشهد القارّة اللاتينية التي تحول فيها سيمون بوليفار (1783 – 1830) إلى أنشودة تحرر جماعية لكل شعوب هذه القارّة، رابطا بين وحدة مصيرها وهويتها ومصالحها وبين تحررها الاجتماعي والثقافي، وبما جعله فعلا عبد الناصر القارّة اللاتينية في القرن التاسع عشر من حيث رؤية كل شعوب القارّة بعين الوحدة والتقدم والتحرر والاستقلال. 

يشار كذلك إلى أهمية فنزويلا تحديدا كمركز لهذا النهوض على غرار مصر في عهد عبد الناصر وقبله محمد علي الذي تزامن مع بوليفار، ولعلهما تواصلا بشكل أو بآخر إذا عرفنا مسألتين: الأولى إقامتهما علاقات خاصة مع فرنسا في مواجهة المتروبولات الرأسمالية الأخرى، والثانية تأثير السان سيمونيين على مصر وفنزويلا في تلك الفترة (نسبة إلى أتباع سان سيمون الذي يعد من فلاسفة الثورة الصناعية والعلم والعقل وإشراك القوى العاملة المنتجة في بناء الاقتصاد والدولة). 

في مرحلة تالية وفي مواجهة النسخة الأمريكية من الاستعمار الأسباني، تسلحت شعوب القارّة بتراث وتجربة بوليفار في المقاومة والثقة بالشعب وأضفت على هذه التجربة ملامح تستجيب للتحولات الجديدة في النظام الامبريالي وفي العواصم الناشئة التي حولها اليانكي الأمريكي إلى جمهوريات موز ومناجم للنحاس وغيره في خدمة الاحتكارات الأمريكية. 

هكذا وكما اصطدمت واشنطن والامبريالية عموما مع المشروع الناصري في الشرق الأوسط وأفريقيا، اصطدمت مع الأفكار البوليفارية التي انتشرت بين حركات التحرر اللاتينية، وتجلّت في التحول الكبير الذي شهدته فنزويلا (مسقط رأس بوليفار) من خلال صعود القائد الوطني الملهم لشعبه وشعوب القارّة والعالم، تشافيز. 

مع هذا الصعود بدأت الأرض تهتز تحت الامبرياليين في كل أنحاء القارّة، وراحت أجراس تشافيز كما كاسترو وجيفارا وخوسيه مارتي تدوي في كل مكان، تتقدم خطوات وتتراجع أحيانا في خضم معركة التحرر الكبرى مع الامبرياليين، وتتراجع أحيانا في سياق صعود حلزوني لا شك في آفاقه الرحبة العظيمة.

وكان ملاحظا أن الهنود الحمر وغيرهم لم يعودوا عبيدا وأصواتا انتخابية في صناديق البيض وشركات الكوكا والفواكه وجمهوريات الموز ومناجم النحاس، وقدموا قادة كبار في هذا الزلزال المتواصل، من نمط ايفو موراليس (من قبيلة من الهنود الحمر) رئيسا لبوليفيا العزيزة على قلب بوليفار، وإن تراجعت مؤقتا هي وغيرها، إلا أن المسار العام بدأ يشق طريقه الاستراتيجي على إيقاع بوليفار وتشافيز. 

بالتأكيد ثمة ملاحظات تحتاج إلى نقاش ومثابرة لتجاوزها فيما يخص المقاربات النظرية لليسار النقابي والاجتماعي والمبالغة في التعويل على صناديق الاقتراع وحدها، بدون تنظيم الشعب في مجالس منظمة حيوية، إلا أن القارّة لم تعد حديقة خلفية لأية امبريالية، أوروبية أو أمريكية. 

وقد أظهرت التجربة أن الامبريالية لا تتورع عن استخدام أحط الأساليب وأكثرها إجراما، ناهيك عن الخداع الديموقراطي، ولا يزال الخيار السلفادوري ماثلا للعيان، حين نظمت دوائر البنتاغون عصابات مسلحة من رجال المخدرات للإطاحة بحكومات منتخبة وأسست قبل داعش وجبهة النصرة استراتيجية الترويع وقطع الرؤوس بمباركة رجال دين مناهضين لفكرة لاهوت التحرير عن أوساط كاثوليكية أخرى. 

وهي التجربة التي مارستها واشنطن أيضا في اندونيسيا لإسقاط حكومة سوكارنو حين حشدت عشرات الآلاف من المجرمين والتكفيريين، ونظمت مذابح مروعة بحق الفلاحين والعمال والطلاب المناصرين لسوكارنو، بعد أن حشدت أساطيلها حول ذلك الارخبيل الذي تقدمت فيه قوى يسارية تحت تأثير التجربة الصينية. 

تلك التجربة الدامية ومثلها تجربة السلفادور وتشيلي بقدر ما مثلته من خسارة لحركات التحرر، بقدر ما صارت درسا أيضا لعموم هذه الحركات وبينها فنزويلا البوليفارية، التي بقدر ما احترمت الخيار الديموقراطي، بقدر ما انتبهت إلى أهمية تجربة الأحياء والمجالس الشعبية، فأكثر الأنظمة ديموقراطية أو ثورية لا يمكنها الاستمرار في مواجهة امبرياليات قوية ومتطورة ومتوحشة، بدون الاستناد إلى الشعب وطاقاته من أجل الصمود والانتصار.

منقول من موقع الميادين نت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى