الحق في الحياة وأمننة الوجدان
من إرادات القتل إلى تدبير الفرح والحزن في السياق المغربي

الأنوار 24/مصطفى المنوزي
التطبيل للعدم مقابل طبول الحرب، روائح الجثامين مقابل بخور الطقوس الرمضانية، بدل العداء للعمليات العسكرية يُمارَس العنف ضد الاستحقاقات الرياضية؛ بمناسبة قضاء الكرة الإفريقية، نهاية للدبلوماسيات السياسية والرياضية.
لا يُفهم هذا المشهد بوصفه مجرد مفارقة لغوية أو صدمة بلاغية، بل باعتباره مؤشرًا على تحوّل عميق في بنية الوعي الجماعي، حيث لم يعد “الحق في الحياة” قاعدة معيارية ناظمة، بل صار موضوعًا للتأويل الانتقائي داخل سرديات متنازعة. فبين إرادات القتل الصريح، وإرادات التمويت الرمزي، تتشكل منطقة رمادية يُعاد فيها تعريف قيمة الحياة نفسها، ليس بما هي حق كوني، بل بما هي موقع داخل شبكة الانتماءات والتمثلات.
في هذا السياق، يصبح التطبيل للعدم شكلًا من أشكال التواطؤ الرمزي مع العنف، حيث تُفرَّغ المأساة من معناها، وتُختزل في ضجيج عابر. كما أن طبول الحرب لا تُقرع فقط في ميادين القتال، بل في اللغة والصورة والسردية، حيث يُعاد إنتاج “قابلية القتل” أو على الأقل “قابلية تبريره”.
غير أن المفارقة الأكثر تركيبًا تتجلى في هذا التعايش القسري بين روائح الجثامين وبخور الطقوس؛ وهو تعايش لا يعكس فقط تناقضًا أخلاقيًا، بل يكشف عن نمط من التكيف الوجداني المختل، حيث يُعاد ترتيب الحساسية الجماعية بما يسمح بالاحتفال دون ذاكرة، وبالتدين دون مساءلة، وبالفرح خارج سياقه القيمي.
وهنا تحديدًا، يبرز التحول الأعمق: لم يعد الأمر يتعلق فقط بانزياح في القيم، بل بانتقال تدريجي نحو أمننة الوجدان. إذ لم يعد الفرح والحزن مجرد تعبيرين عفويين، بل تحوّلا إلى موضوع للتدبير والتأطير، بل وإلى مادة خام لإنتاج سردية أمنية مضمرة في السياق المغربي.
فالفرح، في هذا الأفق، لم يعد بريئًا بالكامل؛ إذ يُسمح به حين ينسجم مع سرديات الاستقرار والانتماء، ويُحتفى به حين يؤدي وظيفة التفريغ الجماعي للتوتر. لكنه قد يُصبح موضوع حذر أو تضييق حين يتحول إلى حامل لرسائل احتجاجية أو دلالات سياسية غير منضبطة. وبالمقابل، لا يُعترف بكل أشكال الحزن بنفس الدرجة؛ إذ يتم أحيانًا ترسيم حزن رسمي مشروع، مقابل تهميش أو إعادة تأويل أحزان أخرى، خاصة حين ترتبط بذاكرة نقدية أو مطالب حقوقية.
بهذا المعنى، لا يتم فقط تدبير المجال العام، بل يُعاد تشكيل المجال العاطفي ذاته. وهو ما يحول “حكامة الانفعالات” إلى نمط من “التحكم الرمزي”، حيث تُرسم الحدود غير المرئية لما ينبغي الشعور به، وكيفية التعبير عنه، وفي أي سياق.
ومن داخل هذا التحول، نفهم أيضًا كيف يتم نقل العداء من مجاله الطبيعي—أي مساءلة العنف المنظم—إلى مجالات بديلة، مثل الاستحقاقات الرياضية. وكأن الوجدان الجماعي، حين يُؤطَّر ضمن سرديات معينة، يُعاد توجيهه نحو أهداف أقل كلفة سياسيًا، لكنها أكثر قابلية للتعبئة الجماهيرية. وهنا تفقد الرياضة وظيفتها كوسيط رمزي، وتتحول إلى امتداد لصراعات غير مُصرَّح بها.
إن “قضاء الكرة الإفريقية” في هذا السياق لا يعني فقط نهاية منافسة، بل يرمز إلى نهاية وظيفة: وظيفة الرياضة كدبلوماسية موازية، وكأفق لتأجيل الصراع أو إعادة ترميزه. ومع انهيار هذه الوظيفة، ينكشف عجز مزدوج: عجز السياسة عن تدبير الخلاف، وعجز البدائل الرمزية عن احتوائه.
في المحصلة، نحن أمام تحول مركب: من مركزية “الحق في الحياة” إلى نسبية تقييمه، ومن عفوية الوجدان إلى أمننته، ومن الفرح كقيمة إنسانية إلى الفرح كأداة سردية. وهو تحول يفرض إعادة التفكير في حوكمة السرديات الأمنية، ليس فقط باعتبارها آلية لتدبير التهديدات، بل كإطار لإنتاج المعنى، وتحديد من يستحق الحياة، ومن يُسمح له بالفرح، ومن يُدفع إلى الحزن الصامت .



