
الأنوار 24/ محمد جرو
ما نعيشه اليوم ليس حلمًا للتسلية؛ إنه تاريخ يُكتب بالأفعال، من كندا إلى إسبانيا، ومن تركيا إلى كوريا، وصولًا إلى بولندا وأيرلندا.
فالإيرانيون يعضّون على الجراح استعدادًا للقتال إذا ما انهار وقف إطلاق النار،وسننتقل إلى أعظم منعطف في التاريخ. يكفي إيران أن تغرق مدمّرة أميركية واحدة، أو أن تعطّل هدفًا سهلًا بمليارات الدولارات عبر وابل من الصواريخ أو المسيّرات، بتوجيه استخباراتي صيني.
وعندها سيرى الكوكب كله الأشياء كما هي: الهزيمة الاستراتيجية النهائية والواضحة لإمبراطورية الفوضى، والأكاذيب، والنهب، والقرصنة، وشعار: ”إذا لم تعجبني فسأقتلك.“
لتفتيت هذا كله ،واستشرافا غير مبني على عرافة ولا تنبؤات ،فقد اقتربت نهاية الأسطورة، و قديكون عام 2027 هو عام السـ،ـقوط المدوي .ست دول ممانعة ومتصدية للعنجهية الأمريكية ،وللغطرسة الصهيونية قالتها صراحة وعبرت عن رفضها لكل مايجري ..
ولنبدأبإسبانيا،التي خرجت “فعودهم “ووجهت رسالة مشتـ،ـعلة وتحـ،ـدٍّ لأمريكا..
من بلدة “إل بورغو” الإسبانية، وخلال تقليد “حــ،ــرق يهـ،ـوذا” السنوي (حيث تُحـ،ـرق دمية لأكثر الشخصيات شـ،ـرًّا)، اختار السكان هذا العام نتنـ،ــياهو، فصنعوا دمية ضخمة بطول سبعة أمتار، حشوها بـ 14 كيلوغرامًا من المتفـ،ـجرات، ودونوا عليها جرائمه في عْرْة ولبنان، ثم فجّـ،ـروها في مشهد سينمائي وسط هتافات آلاف الحاضرين.
عندما احتج الكيـ.ـان الصهيوني واعتبر ذلك “معــاداة للســامية”، لم يرضخ رئيس الوزراء “بيدرو سانشيز” لتهـديدات واشنطن وحـ،ـربها الاقتصادية، بل طار إلى بكين لعقد تحالف استراتيجي شامل مع الصين، وأعلن استعداده لإنشاء جـ،ـيش أوروبي مشترك بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية.
كندا الجارة ،والتي ستشترك في تنظيم گأس العالم صيف هذه السنة ،الحليف الذي تمرد على الكاوبوي الأمريكي حيث فجّـ،ـر رئيس الوزراء الكندي “مارك كارني” مفاجأة مدوية وسط تصفيق حار من شعبه، معلنًا نهاية استنزاف ميزانية كندا الدفاعية لصالح جارتها الجنوبية،مصرحا ملء حنجرته:”لقد ولّى للأبد عصر إرسال 70% من إنفاقنا العسـ،ـكري نحو واشنطن”.جارة أمريكا وصديقتها الأقرب تنقلب عليها، بسبب سياساتها العـ،ـدائية ودعمها الأعمى للاحـ،ـتلال الصهيوني.
حضارة أخرى ،وذات الرئتين بآسيا وأوروبا تركيا،هي سيف القانون والمؤبّدات،اختارت المسطرة ،التصـ،ـعيد انتقل إلى ساحة لا ترحـ،ـم الملاحقة الجنائية.فقد قدّم الإدعاء العام في إسطنبول لوائح اتهام رسمية بـ”الإبـ،ـا،دة الجمـ،ـا،عية” ضد 35 مسؤولًا صهـ،ـيو،نيًا.ووصلت الأحكام القضائية التراكمية بحقهم إلى آلاف السنين من السـ،،ـجن في بعض الحالات.
وردًّا على تطاول بعض وزراء الكـ،ـيان، أصدرت الخارجية التركية بيانًا عنـ،ـيفًا وصفت فيه “النتـ،ن-ياهو بأنه “هـتـر العصر”، وأنه يجرّ المنطقة للد،مار ليهرب من مصيره المحتوم في السـ،ـجن.
دولة أخرى لاتقل أهمية ووزنا بالمعادلات الجارية بالمنطقة ،كوريا الجنوبية وصفت الوضعية بأنها “وصمة العـ،ـار التاريخية”فلم تتوقف الموجة عند حدود الدول المعنية بالصـ،ـراع مباشرة. نشر رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ تغريدة زلزلت الأوساط الدبلوماسية، حيث شبه مقطع فيديو يوثق تنكـ،ـيل جنـ،ـود الاحتـ،ـلال بشهـ،ـيد فلسطـ،ـيني بمأسـ،ـاة “نساء المتعة العسـ،ـكرية” (الكوريات اللاتي عـ،ـانين قسرًا خلال الحـ،ـرب العالمية الثانية). وضعُ الكـ،ـيان في نفس الخانة مع أسـ،ـوأ كوابـ،ـيس كوريا التاريخية، يثبت أنهم أصبحوا في قفص الاتـ،ـهام الأخـ،ـلاقي حتى في أقصى الشرق.اعتبر ذلك بمثابة صحوة ووخز ضمير الكوريين الجنوبيين .
بولندا،أو الدولة التي كسرت المحظــور ، فمن أمام البرلمان البولندي وفي واحدة من أكثر الدول حساسية تجاه هذا الخطاب بالذات ، وقف النائب “غريغورز براون” ليقولها علانية ودون مواربة:
”نحن نتعرض للابتـ،ـزاز.. دعونا نقولها بوضوح: إسـ.ـرائيـ.ـل دولة إرهـ.ـابيـة”.كلمة انطلقت مثل رصاصة رشاش قد لايتجرؤ الكثيرون كتابتها على الإنترنت، نطق بها سياسي أوروبي تحت قبة البرلمان.
ومن بين الدول التي فاض كأسها ،وتنتمي للأمبراطورية عريقة،أيرلندا لتغرس فأس الغضــب الشعبي في الكيان الصهيوني ، فقد تجاوز الأمر حدود السياسة ليصل إلى الغضـ،ـب الشعبي النقي،حيث قام مواطن أيرلندي عادي تجاوز الأربعين، بحمل فأس واقتحـ،ـم مطار “شانون”، لينهال تكسيرًا على طائرة نقل عسـ،ـكري أمريكية (C-130) حتى كاد يخرجها من الخدمة. هذا ليس جـ،ـنونًا؛ بل تجسيد لانفـ،ـجار شعبي عارم ضد الآلة العسـ،ـكرية الداعمة للكــيان.
في الجانب المتعجرف الأمريكي وبحسب كتابات صحفية ،لصحفيين من أمريكا الجنوبية واللاتينية ،وبعقليته المشبعة بأوهام التفوّق ، صرّح وزير الخزانة الأميركي بأنّ الصين لن تعود قادرة على التزوّد بالنفط الإيراني.ماذا يقع الآن بعد رفع ترامب للراية البيضاء ،مع شك إيران في “الهدنة”ومسرحية “المفاوضات”.هذه الحيلة الهمجية تعني فعليًا حربًا اقتصادية ضد الصين ومجموعة واسعة من الدول، معظمها آسيوية، عبر تعطيل التدفقات النفطية والتجارية.
بادرت كوريا الجنوبية بإرسال مبعوث خاص إلى طهران لإجراء مفاوضات مباشرة تضمن عبورًا آمنًا عبر هرمز وشراء نفط وغاز أرخص. وحتى الآن، لا تزال 26 ناقلة كورية جنوبية عالقة.
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، صرّح من بكين: «روسيا قادرة بلا شك على تعويض النقص في الموارد.»
نحو 13% من واردات الصين النفطية تأتي من إيران أي ما يقارب 1.38 مليون برميل يوميًا، وروسيا تؤمن أصلًا ما يصل إلى 20% من النفط الصيني. وكلمة التعويض وفق لاڤروف تعني دفع القدرة الاحتياطية إلى أقصى حدودها. كما تستطيع إيران الاعتماد على خط أنابيب بديل ومحطة جاسك النفطية ، بطاقة تبلغ مليون برميل يوميًا، تتجاوز مضيق هرمز بالكامل.
حتى الآن ، عبرت ثماني ناقلات صينية هرمز منذ إعلان الحصار. وتمتلك الصين مخزونًا يصل إلى 1.3 مليار برميل، يكفي لتخفيف بعض خسائر النفط الإيراني لأشهر. وستواصل الصين نظريًا تلقي النفط من ناقلات تنطلق من موانئ خليجية غير إيرانية (لكنها ستدفع الرسوم أيضًا).
السؤال الكبير: إلى متى ستتحمل إيران والصين ذلك الوضع من دون ردٍّ صاروخي؟
هذا الحصار سيواجه حصارًا نظيرًا له قريبًا: حصار مثلث الأقصى القادم (باب المندب، ميناء ينبع السعودي، السويس، بالتكامل مع هرمز)، كما وعد أنصار الله في اليمن.
الحوثيون ينتظرون اللحظة الاستراتيجية للانضمام إلى المشهد. وهذا سيدفع حتمًا أسعار النفط إلى تجاوز 200 دولار للبرميل ثم الارتفاع أكثر.
إن الحصار الاقتصادي والبحري لا يستهدف إيران وحدها، بل قد يسبب أزمة عالمية في الطاقة يصعب تعويضها.
واشنطن تراهن على حرمان الصين ودول أخرى من النفط والدولار، ما سيدفعها إلى بيع السندات الأميركية بخسائر كبيرة لتأمين حاجاتها الأساسية، وبذلك تخفّف الولايات المتحدة عبء ديونها وتكاليف فوائدها.
خطة محفوفة بالفشل لأن إيران لم تعد تعتمد فقط على البحر، بل أنشأت بدائل برية وتجارية للالتفاف على العقوبات. كذلك الصين لم تعد رهينة مضيق “ملقا”، بعدما نوّعت طرق إمدادها عبر خطوط أنابيب مع روسيا وميانمار ومسارات أخرى.
لذلك، فإن أدوات الضغط الأميركية لم تعد مضمونة الفاعلية كما في السابق.
أنشأت الصين بدائل استراتيجية للممرات البحرية الخاضعة للنفوذ الأميركي، عبر خط الطاقة الممتد من آسيا الوسطى، وعبر ميناء غوادر المرتبط بالممر الصيني-الباكستاني، ما يمنحها منفذًا بريًا مباشرًا من بحر العرب إلى شينجيانغ.
لن تجوع الصين إذا حُرمت من النفط الإيراني. فهي تتصدّر تقريبًا كل القطاعات المرتبطة بالطاقة وإنتاج الكهرباء، ولديها القدرة الصناعية أي الرأسمالية المنتجة والمواد الخام، وسلاسل التوريد، والعمالة المؤهلة الكافية لإنتاج التكنولوجيا والبنية التحتية لكل نظام طاقة ذي صلة: ألواح شمسية، توربينات، بطاريات، خطوط نقل، وكل ما يتصل بالطاقة الشمسية والرياح والمياه والطاقة النووية الجديدة.
وبالطبع، لا يمكن لأزلام قرد الهمجية قصيري النظر أن يفهموا كيف أن استراتيجية الصين للهيمنة الكاملة على المركبات الكهربائية، والبطاريات الشمسية، وتصدير الكهرباء، تحمي المملكة الوسطى من صدمات النفط والغاز المصطنعة مثل هذا الحصار.
في الوقت الراهن، تبقى الأرمادا التي لا تُقهر عند الأطراف الخارجية لخليج عُمان، خارج مدى كثير لا كل الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، لكنها تبقى ضمن مدى الصواريخ الباليستية بعيدة المدى والفرط صوتية.
سيواصل الأميركيون استخدام قدراتهم الاستخباراتية والاستطلاعية لتعقّب السفن، ثم تتدخل زوارق صغيرة ومروحيات لتنفيذ إجراءات الاعتراض.
حتى الآن لم يحدث شيء. بل حدث أمر كبير: ناقلة عملاقة مصرّح لها، غير إيرانية، قادرة على حمل مليوني برميل نفط، أبحرت نحو إيران عبر هرمز ونظام التعريف الآلي (AIS) فيها يعمل أمام الجميع. ولم تجرؤ الـINDOPACOM على لمسها.المقصود بـ INDOPACOM هو القيادة الأميركية لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهي واحدة من القيادات العسكرية الموحدة التابعة للجيش الأميركي.
اسمها الكامل: United States Indo-Pacific Command.
الدول الأوروبية هي الأكثر تضرّرًا من الحصار الذي سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة وبالتالي ارتفاع نسبة التضخم مع ما يستتبع ذلك من توتر سياسي داخلي. لذلك مصلحتها الأساسية هي التهدئة لا التصعيد .



