
الأنوار24/مصطفى المنوزي
من الدروس التي كثيرًا ما نتلقاها في بدايات التكوين أن التلويح باستعمال الشيء قد يكون أحيانًا أكثر تأثيرًا من استعماله فعليًا. فحين يتحول الإمكان إلى فعل مستهلك يفقد جزءًا من قوته الرمزية، بينما يظل التلويح محتفظًا بطاقة ردعية وتأثيرية لأنه يبقي الفعل في دائرة الاحتمال.
هذه الحكمة لا تتعلق بالأدوات فقط، بل تمتد إلى المواقف نفسها. فالموقف قبل الإعلان عنه يظل مجالًا للتقدير والمراجعة، أما حين يُعلن فإنه يتحول إلى التزام رمزي يقيد صاحبه ويجعل ردود فعله اللاحقة محكومة بما سبق أن صرح به. من هنا يمكن الحديث عن اقتصاد المواقف: أي ترشيد التعبير عن الموقف بحيث لا يتحول إلى استنزاف مبكر لأوراق التأثير.
غير أن هذا الاقتصاد لا يكتمل إلا إذا ارتبط بفكرة أعمق هي ترتيب النهايات؛ فالفعل الرشيد لا يبدأ من اللحظة الآنية فقط، بل من تصور المآلات الممكنة ، بمعنى أن الحكمة ليست في اتخاذ الموقف وحده، بل في تقدير الطريق الذي قد يقود إليه هذا الموقف ؛ فكم من مواقف بدت قوية في بدايتها لكنها تحولت لاحقًا إلى قيود على أصحابها لأن نهاياتها لم تكن مرتبة أو محسوبة ؛ وفي هذا الأفق يكتسب مفهوم التفكير النقدي التوقعي أهميته. فالتفكير التوقعي لا يقتصر على نقد الواقع، بل يسعى إلى استباق تحولاته عبر ربط القرار الحاضر بآثاره المستقبلية. إنه نمط من التفكير يجعل الفاعل واعيًا بأن كل موقف هو بداية لسلسلة من النتائج، وأن قوة الفعل تقاس بقدرته على توجيه هذه النتائج لا بمجرد حدته اللحظية ؛وبهذا المعنى يصبح التلويح بالفعل جزءًا من عقلانية أوسع: عقلانية تدبير الإمكانات دون استهلاكها، وتقدير المواقف دون تحويلها إلى ردود أفعال متسرعة. فالحكمة ليست في الصمت الدائم ولا في الإفصاح المطلق، بل في القدرة على الموازنة بين إعلان الموقف والحفاظ على هامش الإمكان.
وفي زمن تتسارع فيه الخطابات وتضيق فيه مساحات التروي، يبدو هذا الدرس أكثر إلحاحًا ، فليس كل ما يمكن فعله ينبغي استعماله فورًا، وليس كل ما يمكن قوله ينبغي التصريح به دون تقدير مآلاته. فبين الإمكان والفعل، وبين البداية والنهاية، يتحدد جوهر التفكير النقدي التوقعي: أي القدرة على ترتيب النهايات قبل أن تفرض الأحداث ترتيبها الخاص.


