حالة التنافي وحدود الاستقلال داخل الدولة المعرفية والمهنية

الأنوار 24/ مصطفى المنوزي
يكشف الجدل المرتبط برفع حالة التنافي بين مهنة المحاماة ومهنة التدريس الجامعي عن أزمة أعمق من مجرد خلاف مهني أو تشريعي، لأنه يعيد طرح سؤال الحرية والاستقلالية داخل بنية الدولة نفسها، وحدود العلاقة بين الوظيفة العمومية والمهن الحرة، بل وحدود استقلال الجامعة ذاتها. فإذا كان بعض المدافعين عن رفع التنافي يقدمون الأمر باعتباره انتصارًا للانفتاح وتوسيعًا لحرية الممارسة المهنية، فإن المقاربة النقدية ترى في ذلك نوعًا من الالتفاف على مطلب الاستقلال الحقيقي، عبر نقل النقاش من سؤال إصلاح الجامعة وتحريرها إلى مجرد توسيع إمكانيات الجمع بين الوظائف والامتيازات المهنية.
ومن هذه الزاوية، يبدو متناقضًا الجمع بين وظيفة عمومية تقوم قانونيًا على التبعية الإدارية والتدرج المؤسسي والخضوع لالتزامات المرفق العام، وبين مهنة المحاماة التي تؤسس مشروعيتها الرمزية والقانونية على الاستقلال والحرية وعدم الخضوع. فالمحامي، من حيث المبدأ، ليس موظفًا لدى الدولة، بل فاعل مستقل يفترض فيه الدفاع عن الحقوق والحريات حتى في مواجهة الإدارة نفسها، بينما الأستاذ الجامعي، رغم مكانته العلمية، يظل خاضعًا لمنظومة الوظيفة العمومية وما تفرضه من التزامات إدارية ومالية وتنظيمية.
وهنا يبرز التناقض البنيوي الذي لم تستطع الأطروحات النفعية تجاوزه، لأنها اختزلت النقاش في سؤال السوق والمنافسة، وأهملت سؤال الاستقلال الرمزي والمؤسساتي ، بل إن المفارقة الأكثر عمقًا تكمن في أن المطالبة برفع التنافي تأتي في سياق ما تزال فيه الجامعة المغربية نفسها تعاني أزمة استقلالية وحرية أكاديمية. فكيف يمكن الحديث عن أستاذ “حر” يمارس المحاماة باعتبارها مهنة مستقلة، في حين أن الجامعة لم تحسم بعد علاقتها بالإدارة وبالسلطة السياسية، وبالرقابة البيروقراطية، وكذلك بشروط إنتاج المعرفة النقدية؟
إن الحرية الأكاديمية لا تختزل في حرية التعبير الفردي، بل ترتبط بقدرة الجامعة على إنتاج معرفة مستقلة عن منطق الولاءوالضبط الإداري والتوظيف الظرفي. ولذلك فإن النقاش حول التنافي يكشف، في العمق، حدود النموذج الجامعي نفسه، الذي ما يزال يتأرجح بين وظيفة تكوينية مرتبطة بالدولة وطموح معرفي نقدي يبحث عن الاستقلال ؛ ومن هنا، فإن الإشكال الحقيقي ليس فقط هل يسمح للأستاذ بالمحاماة أم لا ؛ بل هل نملك أصلًا جامعة مستقلة بالمعنى الأكاديمي والمؤسساتي الذي يجعل الحديث عن الحرية المهنية امتدادًا طبيعيًا للحرية الفكرية؟
لأن الخطر يكمن في تحويل مطلب الحرية والاستقلالية إلى مجرد أداة لإعادة توزيع المواقع المهنية، بدل أن يكون مدخلًا لإصلاح بنيوي يعيد التفكير في استقلال الجامعة ووظيفة المعرفة، فحدود التبعية الإدارية، ثم علاقة الدولة بالمهن الحرة والمؤسسات الوسيطة ؛ وبذلك، فإن الجدل حول التنافي لا يبدو مجرد نقاش قانوني عابر، بل أحد أعراض أزمة أوسع تتعلق بطبيعة الدولة المهنية والمعرفية في المغرب، وحدود الانتقال من منطق الوظيفة الخاضعة إلى منطق الفاعل المستقل والمسؤول .



