سياسة

حين تصوّت على ما لا تعرفه: قراءة في “الإبداع الإداري” بمجلس مكناس

قراءة نقدية| في نقطة التفويتات ( التثمين) دورة ماي 2026 — مجلس جماعة مكناس

الأنوار 24/ عصام عبار 

قرأت واستمعت لتدخل صديقي المستشار الوطني الغيور الدكتور القدوري أحببت بعد اذنه ان اعود الى نقطة تفويت أصول الجماعة مستحضرا صميم زوايا تدخله الذي اقاسمه الموقف على كل الخط .

في الفلسفة، ثمة مفهوم يُسمّى “التناقض الأداتي”: وهو أن تُوظَّف الإجراءاتُ الشكلية لتحقيق غايات جوهرية مضادة لمقتضياتها.

ما جرى في دورة ماي 2026 بمجلس جماعة مكناس، هو نموذج حي لهذا التناقض. وما أحاول أن أقوله هنا ليس كلاماً في المعارضة لذاتها، بل هو موقف صادر عن ضمير مؤسسي، ومبني على وثيقة، لا على انطباع.

أولاً: الوثيقة التي وُجدت ولم تُوجد

توصّلنا جميعنا كل بطريقته ، ضمن مرفقات دورة ماي العادية لسنة 2026، بوثائق تحمل عناوين صريحة وفصيحة، من قبيل:

“مذكرة تقديمية بخصوص كناش التحملات الخاص بتفويت قطعة أرضية تابعة للملك الخاص لجماعة مكناس…”

وكل مذكرة من هذه المذكرات تستهل بعبارة:

“تماشياً مع توصيات دورية السيد وزير الداخلية رقم 14066 الصادرة بتاريخ 6 أكتوبر 2025…”

إذن الوثائق موجودة. محدّدة. مُوقَّعة. مُرفَقة. رسمية.

ثم سمعنا داخل الجلسة في تسجيلات توصلت بها وهي على مواقع التواصل ، داخل قاعة الجلسة، إن دفاتر التحملات غير موجودة.

هنا لا نكون أمام خطأ إداري عادي. نكون أمام ما يمكن تسميته بدقة: “الوثيقة الشبح” موجودة في الملف، غائبة في الخطاب، حاضرة في التصويت، منفية في المساءلة. “

وهذا ليس تفصيلاً بيروقراطياً، بل هو مسٌّ بجوهر المسطرة ووضوح الإرادة الجماعية المُعبَّر عنها بالتصويت.

ثانياً: على ماذا صوّت المجلس بالضبط؟

في دورة فبراير 2026، كانت النقطة واضحة: الدراسة والموافقة على دفاتر التحملات المتعلقة بتفويت عقارات محددة.

في دورة ماي 2026، تبدّلت الصياغة إلى: “تثمين الممتلكات الجماعية بصيغ متعددة: تفويت أو شراكة…”

هذا التحوّل في الصياغة ليس ترميماً لغوياً. إنه إعادة هندسة قانونية تُوسّع صلاحيات السلطة التنفيذية للرئيس وتُضيّق هامش المساءلة. فالتصويت على “التثمين بصيغ متعددة” يمنح الرئيس صلاحية البيع أو الشراكة أو الكراء، دون أن يعود إلى المجلس لكل عملية على حدة.

والأخطر من ذلك: إذا لم تكن دفاتر التحملات موجودة رسمياً وقت التصويت، فهذا يعني أن المجلس صوّت على الفراغ أو بعبارة أدق، صوّت على تفويض مفتوح، بلا سقف، بلا ضمانات، بلا ثمن افتتاحي مصادَق عليه.

وهذا بالذات ما يُفسد المسطرة قانونياً، بل ويُعرّض القرار للطعن.

ثالثاً: فلسفة الوثيقة في مواجهة فلسفة الكلام.

ما لفت انتباهي في مداخلة صديقي المستشار القدوري — وهو موقف أتقاسمه — هو هذه الجملة التي تختصر الإشكال كله:

“ما يهمني هو الوثيقة، لا التبرير الشفوي. وما يلزمني كعضو في المجلس هو ما توصّلت به مكتوباً، لا ما يُقال عرضاً لتصحيح أو تلطيف أو إعادة تدوير معنى الوثائق.”

هذا ليس عناداً، بل هو إبستيمولوجيا سياسية سليمة: في العمل المؤسسي، الحقيقة القانونية هي ما هو مكتوب، لا ما هو منطوق. الكلام يُقال ثم يتبخر. الوثيقة تبقى، وتُحاسَب بها.

حين يُقال لك في الجلسة: “لا توجد دفاتر تحملات”، لكن في يدك وثيقة عنوانها “كناش التحملات الخاص”، فأيُّهما تُصدّق؟

الجواب يحدده القانون، لا حسن النية.

رابعاً: الإبداع الإداري الذي يستحق الدراسة

لن أُحسن الظن وأقول: هذا خطأ سهوي. ولن أُسيء الظن وأقول: هذا تدليس مقصود.

لكنني أقول ما يقتضيه المنطق المؤسسي: التناقض بين الوثيقة المُرفَقة والخطاب المُصاحِب لها ليس بريئاً في سياق قرارات تمسّ عقارات استراتيجية تقع في قلب مدينة عريقة.

والأكثر إثارةً للقلق هو ما يُشار إليه في الكواليس من عمليات “استقطاب سياسي” لأحزاب تتجه نحو الأغلبية. حين تتقاطع إعادة هندسة الوثائق مع إعادة هندسة التحالفات، لا يعود الأمر مجرد إبداع إداري بل يصبح سياقاً يستوجب اليقظة الكاملة.

خامساً: العقار الجماعي ليس أصلاً مالياً فحسب

أودّ أن أختم بما قاله صديقي القدوري بوضوح شديد:

“العقار الجماعي هو أداة للسيادة الترابية، ورافعة للتنمية، وأصل استراتيجي يجب تدبيره بمنطق الاستدامة لا بمنطق البيع الظرفي.”

وأضيف من موقعي: كمواطن مراقب مدني يسكن حيا تدعي الجماعة عدم وجود اوعية عقارية لتشييد المرافق فيه وكانت تمهد لتفوبت عقار (Ratum والعقار المجاور لها) ، ما تبيعه اليوم لن تشتريه غداً بعشرة أضعاف ثمنه. التنمية الحضرية الحقيقية — كما علّمتنا التجارب المقارنة، من برشلونة إلى كوريتيبا إلى سنغافورة — تبنى على تراكم الأصول الجماعية وحسن توظيفها، لا على استنزافها كلما ضاقت الميزانية.

مكناس، بتاريخها وموقعها وإمكاناتها، تستحق رؤية، لا عملية بيع مُلطَّفة بلغة التثمين.

خلاصة ما أودّ قوله:

أنا لا أطعن في نوايا أحد. أنا أطعن في مسطرة.

ولا أرفض التثمين كمبدأ. أنا أرفض التثمين الذي يُمارَس في فراغ قانوني ويُصوَّت عليه في غياب الوثائق الرسمية الكاملة والواضحة.

والفرق بين الاثنين هو الفرق بين الحوكمة والعشوائية المُنظَّمة.

مجلس جماعة مكناس — ومعه ساكنة المدينة — يستحقان وثائق واضحة، وأثماناً مبنية على مراجع حقيقية، وأهدافاً معلنة لكل عملية تفويت، وضمانات تحمي العقار من المضاربة وتصون المصلحة العامة على المدى البعيد.

هذا ليس مطلباً انتقادياً. هذا مقتضى القانون التنظيمي 113.14 وروح دورية وزير الداخلية 14066 التي يُستشهد بها في كل مذكرة، لكنها — كما كشف القدوري — تُستحضر في العناوين وتُغيَّب في المضمون -.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى