جدل استدعاء مجلس المنافسة في تنظيم مهنة المحاماة بين منطق السوق ووظيفة العدالة
قراءة من وحي "سوسيولوجيا التفاوضية " لد/ عزيز مشوات

الأنوار 24/ مصطفى المنوزي
أثارت الفدرالية الديمقراطية للشغل مجددًا فكرة اللجوء إلى مجلس المنافسة، كما لوّحت النقابة الوطنية للتعليم العالي بالاحتجاج، في سياق النقاش حول مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة وما يتضمنه من شروط للولوج ومقتضيات التنافي. غير أن هذا التطور، في عمقه، يتجاوز حدود الخلاف النقابي الظرفي، ليعيد فتح سؤال أعمق يتعلق بكيفية إعادة تشكيل المهن المرتبطة بالعدالة داخل أفق يتزايد فيه حضور منطق السوق والمنافسة.فمن منظور سوسيولوجيا التفاوضية، لا يتعلق الأمر فقط بنزاع حول نص قانوني، بل بسيرورة تفاوضية مركبة حول تعريف المهنة ذاتها، وحدودها، ووظيفتها الاجتماعية. فالمعركة هنا لا تدور فقط حول شروط الولوج، بل حول من يملك سلطة إنتاج المعايير التي تُعرّف “المحاماة”: هل هي مهنة سوقية تخضع لمنطق حرية المنافسة، أم وظيفة عدالة ترتبط بضمان الحقوق واستقلال الدفاع؟
1. من نزاع قانوني إلى تفاوض على تعريف المهنة :
يُظهر هذا الجدل أن ما يبدو خلافًا تقنيًا حول شروط الولوج أو التنافي، يخفي في الواقع صراعًا على مستوى أعمق: صراع حول الإطار المرجعي الذي تُفهم داخله المهنة. فكل طرف لا يناقش القواعد فحسب، بل يسعى إلى تثبيت تعريف معيّن للمحاماة نفسها ؛ وفي هذا السياق، تتحول المحاماة من موضوع تنظيم قانوني إلى مجال لتفاوض رمزي حول هويتها: هل تُختزل في “نشاط مهني منظم” قابل للقياس بمنطق السوق، أم تُفهم باعتبارها مؤسسة وظيفتها الأساسية هي ضمان العدالة وحماية الحقوق؟
2. مجلس المنافسة كفاعل في إعادة تشكيل المجال المهني :
إن استدعاء مجلس المنافسة في هذا النقاش لا يمكن قراءته فقط كآلية تقنية لإبداء الرأي، بل كإدخال منطق اقتصادي-قانوني إلى مجال ظل تقليديًا محكومًا باعتبارات مهنية وقضائية. بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بتطبيق بسيط لقانون المنافسة، بل بإعادة توزيع للشرعية بين مرجعيات مختلفة: مرجعية السوق، ومرجعية العدالة، ومرجعية التنظيم المهني.
وهنا تتجلى إحدى سمات “التفاوضية السوسيولوجية”: فالمؤسسات لا تتواجه فقط، بل تتداخل من خلال إعادة تعريف حدود تدخلها، بما يجعل كل مجال يسعى إلى توسيع منطقه التفسيري على حساب المجالات الأخرى.
3. تضخم خطاب السوق وإعادة تعريف ما هو قابل للتنظيم
يشير الخطاب الذي يعتبر شروط الولوج “عوائق دخول إلى السوق” إلى تحول دلالي مهم، يتمثل في إعادة ترجمة المهن المنظمة بلغة اقتصادية صرفة. غير أن هذا التحول لا يقتصر على تغيير المصطلحات، بل يعكس إعادة تعريف لما هو قابل للتفاوض أصلًا. من هنا ، فإنه في منطق السوق، تُختزل التنظيمات في كونها قيودًا يجب تبريرها أو تقليصها، بينما في منطق العدالة، تُفهم هذه التنظيمات كآليات لضمان الجودة والاستقلال والثقة العامة. وهكذا يتشكل توتر بنيوي بين تصورين مختلفين للشرعية: شرعية الكفاءة التنافسية مقابل شرعية الوظيفة الاجتماعية.
4. التفاوض غير المتكافئ بين منطقين للشرعية :
لا يجري هذا التفاوض في فضاء محايد، بل داخل توازن قوى غير متكافئ بين منطقين رمزيين: منطق السوق الذي يملك قوة خطابية متزايدة في السياسات العمومية، ومنطق العدالة الذي يستند إلى تاريخ مؤسساتي ومهني طويل.
غير أن اللافت في هذا السياق هو أن التفاوض لا يتم فقط حول القواعد، بل حول الإطار الذي يُسمح داخله بالتفاوض ذاته. فكل طرف يسعى إلى تثبيت حدوده المرجعية: ما الذي يمكن اعتباره “مسألة منافسة”، وما الذي يبقى “مسألة عدالة” غير قابلة للاختزال الاقتصادي.
5. نحو قراءة تركيبية: التفاوض كإعادة إنتاج للشرعية
في ضوء سوسيولوجيا التفاوضية، يمكن فهم هذا الجدل باعتباره لحظة من إعادة إنتاج الشرعية داخل الحقل المهني والقانوني. فالمؤسسات لا تشتغل هنا ككيانات ثابتة، بل كفاعلين في سيرورة تفاوض مستمرة حول تعريف وظائفها وحدود تدخلها.
وبهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بانتصار أحد المنطقين على الآخر، بل بإعادة تشكيل مستمرة للتوازن بينهما، حيث يتم دمج عناصر من منطق السوق داخل المهن المنظمة، دون إلغاء كلي لمنطق العدالة، وإنما عبر إعادة صياغته في لغة تنظيمية جديدة.
خاتمة
إن النقاش حول مشروع قانون مهنة المحاماة لا يمكن اختزاله في بعده التقني أو النقابي، بل ينبغي قراءته كسيرورة تفاوضية مركبة حول معنى العدالة نفسها في زمن تتوسع فيه مرجعيات السوق. فالمسألة ليست فقط من يحق له الولوج إلى المهنة، بل كيف يتم تعريف هذه المهنة، ومن يملك سلطة تحديد معاييرها.
ومن هذا المنظور، يصبح التحدي الحقيقي ليس في رفض أحد المنطقين، بل في القدرة على بناء توازن نقدي بينهما، يضمن ألا يتحول منطق المنافسة إلى أداة لاختزال العدالة، ولا تتحول العدالة إلى ذريعة لإغلاق المجال أمام أي مساءلة أو تطوير.



